الصناعات العسكرية الحديثة.. من أين نبدأ في سلطنة عُمان؟

 

 

 

د. صالح مسن

 

تشهد الصناعات العسكرية تحولًا جذريًا بفعل التقدم التكنولوجي المُتسارع، مما أدى إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة والدفاع والأمن القومي؛ فلم تعد الجيوش تُقاس بحجمها أو بكمية العتاد التقليدي الذي تمتلكه، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الابتكار والتقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، وتقنيات الحرب السيبرانية.

في هذا السياق، لم يعد التفوق العسكري مرهونًا بحجم الإنفاق بقدر ما أصبح مرتبطًا بالقدرة على تحقيق تأثير استراتيجي بأقل تكلفة مُمكنة، من خلال توظيف التكنولوجيا بذكاء ومرونة. وتشير التقديرات العالمية إلى أنَّ الإنفاق العسكري تجاوز 2.4 تريليون دولار، مع تحول متزايد نحو الاستثمار في التقنيات المتقدمة بدلًا من المعدات التقليدية، وهو ما يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة القوة العسكرية.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبرز الحاجة أمام سلطنة عُمان إلى تطوير منظوماتها الأمنية والدفاعية بأساليب مبتكرة تتماشى مع طبيعة التهديدات الحديثة. كما أن التوجه نحو تنويع الاقتصاد، ضمن مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، يفتح نافذة استراتيجية لتأسيس قطاع وطني متقدم للصناعات العسكرية، يحقق هدفين متوازيين: تعزيز القدرات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

غير أنَّ بناء هذا القطاع لا ينبغي أن يبدأ من التصنيع الثقيل أو المشاريع المعقدة، بل من تأسيس منظومة متكاملة تُبنى تدريجيًا، وفق أولويات وطنية واضحة، ورؤية طويلة المدى.

وقبل الشروع في أي استثمار عسكري، تبرز الحاجة إلى طرح سؤال استراتيجي محوري: ما الذي تحتاجه عُمان فعليًا اليوم، وخلال العشرين عامًا القادمة، لحماية أمنها الوطني ومكتسباتها؟

انطلاقًا من موقع سلطنة عُمان الجغرافي المطل على أهم الممرات البحرية العالمية، فإن أمن السواحل والمجال البحري يجب أن يكون في صدارة الأولويات. ويشمل ذلك تطوير تقنيات المراقبة البحرية، وأنظمة الاستشعار، وحلول الاستجابة السريعة.

كما تمثل قدرات المراقبة والاستطلاع عنصرًا حاسمًا في بناء منظومة دفاعية حديثة، سواء عبر الطائرات بدون طيار أو تقنيات تحليل البيانات. وفي موازاة ذلك، أصبح الأمن السيبراني ضرورة استراتيجية لحماية البنية التحتية الرقمية والأنظمة الحيوية من التهديدات المتزايدة. ومن جانب آخر، يشكل قطاع الصيانة والدعم اللوجستي أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة دفاعية فعالة، خاصة في ظل التوجه الوطني لتعزيز دور القطاع اللوجستي في الاقتصاد.

هذه المجالات لا تمثل فقط أولويات أمنية، بل توفر أيضًا فرصًا استثمارية واعدة، كونها أقل تكلفة من الصناعات العسكرية الثقيلة، وأكثر قابلية للتطوير والتصدير.

إنَّ بناء قطاع صناعات عسكرية حديث لا يتطلب البدء من الصفر، بل يستند إلى الاستفادة مما وصلت إليه الدول الأخرى، عبر شراكات استراتيجية مع شركات دفاع عالمية، تقوم على نقل المعرفة والتكنولوجيا، وليس مجرد الاستيراد.

وتُظهر التجارب الدولية أن الدول التي استثمرت بذكاء في هذا المجال حققت قفزات نوعية خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا. ففي الولايات المتحدة، تتجاوز ميزانية الدفاع 800 مليار دولار سنويًا، مع تركيز كبير على البحث والتطوير في التقنيات المتقدمة. كما خصصت الصين جزءًا كبيرًا من إنفاقها العسكري- الذي يزيد عن 290 مليار دولار- لتطوير الأنظمة الذكية والطائرات بدون طيار.

وعلى المستوى الإقليمي، تقدم تجارب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا نماذج عملية يمكن الاستفادة منها؛ فقد أطلقت السعودية شركة SAMI بهدف توطين 50% من الإنفاق العسكري، بينما أسست الإمارات مجموعة EDGE Group التي تضم أكثر من 25 شركة دفاعية وتقنية. في حين تمكنت تركيا من رفع نسبة الاكتفاء الذاتي الدفاعي من أقل من 20% إلى أكثر من 70% خلال عقدين فقط.

وتؤكد التجارب العالمية أن النجاح في الصناعات العسكرية لا يتحقق عبر التوسع العشوائي، بل من خلال التركيز على مجالات محددة ذات ميزة تنافسية. وبالنسبة لعُمان، فإن تبني نهج “التخصص الذكي” سيكون الخيار الأكثر واقعية وكفاءة.

ولا شك أن بناء قطاع وطني للصناعات العسكرية في عُمان ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. غير أن النجاح في هذا المسار لا يعتمد على حجم الاستثمار بقدر ما يعتمد على وضوح الرؤية، ودقة اختيار الأولويات، والقدرة على التنفيذ التدريجي.

العالم يتجه نحو نموذج جديد للقوة العسكرية: أقل تكلفة، أعلى كفاءة، وأسرع تطورًا. ومن خلال قراءة الأرقام والتجارب الدولية، يتضح أن الفرصة لا تزال قائمة أمام سلطنة عُمان للدخول في هذا المجال، لكن بشرط اختيار المسار الصحيح منذ البداية.. ابدأ صغيرًا، وتخصص بذكاء، وابنِ شراكات قوية، وتقدم بثبات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z