أحمد مسلم سوحلي جعبوب
هذا المقال يستند على وثيقة نادرة أسهمت فيها عالِمة مصرية من القرن الماضي في توثيق علمي فريد في أقصى جنوب الجزيرة العربية حصرًا في محافظتي ظفار والوسطى.
*******
صحراء تتنفس النوادر في أطرافها، تلامسها الرياح الموسمية، وتتداخل فيها الجبال والسهول والرمال بطريقة لا توجد إلا هنا. مشهد طبيعي نادر تتعايش فيه التناقضات بانسجام مدهش؛ جفاف قاسٍ في العمق، ورطوبة خفيفة على الحواف، وذاكرة مناخية تشكلت عبر آلاف السنين. هذا التنوع المناخي، صحراوي جاف في القلب ورطب في التخوم، هو ما صنع بيئة لا تتكرر في أي مكان آخر، بيئة سمحت لنبات واحد أن ينشأ ويتطور ويستقر دون منافس أو شبيه، وكأنه خُلق على مقاس هذا المكان وحده.
حصريًا وعالميًا من ظفار، حين تتحدث الأرض بسرّها الأخير، تظهر Pulicaria pulvinata كحكاية فريدة لم يعرف العالم لها مثيلًا. ففي عام 1986، ومن قلب الصحراء الجنوبية، ظهر نبات لا يعيش إلا في هذا الموطن، كحدث نباتي نادر يعلن عن نفسه في بيئة يظنها البعض قاسية خالية من الحياة، بينما هي في الحقيقة مختبر طبيعي لصناعة الندرة.
هنا، على التربة الرملية المفتوحة، لا شيء يحمي النبات سوى تكيفه العميق مع شروط الحياة الصعبة. جذوره تمتد بصمت بحثًا عن رطوبة خفية في باطن الأرض، وأوراقه تلتصق بالأرض لتحتمي من لفح الحر وتقلل فقدان الماء، ونموه بطيء لكنه ثابت، كأنه يعيش على توقيت خاص لا يشبه زمن غيره. إنه ليس نبات حدائق ولا نوعًا واسع الانتشار، بل ابن طبيعة خالصة في قلب الصحراء، ابن ندرة المكان وابن مناخ لا يعيد نفسه.
وتكمن أهمية هذا النوع في أن وجوده في الجنوب العُماني يجعله قيمة علمية وبيئية عالية. فهو نبات إن انقرض فلن يُستعاد، وإن اختفت رمال موطنه أو تغير مناخ الموطن الرئيسي لنبات تغيرًا جذريًا فلن يجد أرضًا بديلة تحتضنه. وعندما نقول إنه نوع مستوطن، فنحن نصف حقيقة علمية دقيقة تعكس خصوصية المكان وفرادته.
كثيرون يبحثون عن العجائب في الغابات المدارية والقمم العالية، لكن العجائب الكبرى تختبئ أحيانًا في أبسط التفاصيل، في حبة رمل، في وسادة نباتية صغيرة، في زهرة متواضعة لا يلتفت إليها المارّون. وهكذا لا تكون هذه النبتة مجرد كائن نباتي نادر، بل درسًا مفتوحًا في كيف تصنع البيئة القاسية جمالًا خفيًا لا يراه إلا من يبحث بالشغف والمعرفة، ورسالة من جنوب الجزيرة العربية تقول إن الصحراء ليست فراغًا، بل ذاكرة حياة صامتة.
إن النباتات المستوطنة لا تظهر اعتباطًا، بل تتشكل عبر آلاف السنين من العزلة البيئية والتكيف الدقيق والصبر الطويل. وقد كانت البيئة العُمانية الصحراوية بمزيجها الفريد من الحرارة والرياح والرمال المتحركة والتأثيرات الموسمية هي التي صاغت هذا الكائن النباتي الفريد، حتى جعله جزءًا أصيلًا من هوية المكان.
وفي جنوب عُمان كنز حي لا مثيل له، وحمايته ليست ترفًا بيئيًا بل واجب علمي وأخلاقي، لأنه يمثل جزءًا من الذاكرة الطبيعية للمنطقة. ففقدانه لا يعني خسارة نوع نباتي فحسب، بل خسارة صفحة كاملة من تاريخ الطبيعة في جنوب الجزيرة العربية.
ومنذ عقود وحتى اليوم، يبقى هذا النبات شاهدًا على عبقرية المكان، وعلى أن الصحراء ليست فراغًا كما يُظن، بل نظام حياة بطيء يعيد تشكيل الوجود على مهل.
الوصف العلمي:
نباتٌ معمر من الفصيلة النجمية، مفترش، خشبي القاعدة، شديد التفرع، يشكل وسادة نباتية رخوة، ويتميز بكساء كثيف من الشعيرات الطويلة الرمادية المائلة للبياض ذات مظهر حريري يغطي السيقان والأوراق ويمنحه لونًا فضيًا مميزًا. أوراقه ملعقية إلى بيضاوية مقلوبة، متجمعة في شبه وردات عند أطراف الأفرع. أفرعه الزهرية قصيرة تحمل نورات طرفية قرصية الشكل صفراء باهتة. يتميز هذا النوع ببنيته الوسادية الكثيفة وقصر أفرعه الزهرية وتفرّده بالنورات المنفردة. ينمو في البيئات الجافة المفتوحة في شرق ظفار والوسطى بجدة الخراسيس، خاصة الكثبان الرملية والهضاب الجيرية والمنحدرات الساحلية، ويُعد من الأنواع المحلية النادرة عالية التكيف.
وقد وُصف هذا النوع علميًا لأول مرة ضمن أعمال تصنيفية شاركت فيها العالِمة المصرية (السيدة جمال الدين) والتي تخصصت في دراسة وتصنيف نباتات الفصيلة النجمية، مع تركيز بحثي على فلورا شمال أفريقيا والجزيرة العربية، وأسهمت أعمالها في المراجعات التصنيفية لجنس Pulicaria في بناء فهم أوضح للتنوع النباتي في البيئات الجافة وشبه الجافة. وقد استندت إليها دراسات لاحقة في المنطقة وخارجها بوصفها مرجعًا علميًا في تحليل الصفات التصنيفية وتحديد الحدود النوعية، مما يجعلها ضمن الأسماء العلمية التي أسهمت في تأسيس قاعدة معرفية مهمة لفلورا الإقليم العربي–الأفريقي في هذا الحقل. وقد ورد اسمها تكريمًا في بعض التسميات العلمية ضمن جنس Pulicaria، ومن ذلك Pulicaria pulvinata E.Gamal-Eldin، بالاضافة إلى نوع آخر نادر توثيقها العلمي مؤكد بالكامل (حتى في الأنواع المخلّدة باسمها مثل Pulicaria gamal-eldiniae) وهو توثيق علمي يعكس مكانتها البحثية وإسهامها في دراسة هذا الجنس في ظفار وجنوب شرق اليمن، ويُعد من أشكال التكريم المتعارف عليها في علم التسمية النباتية.
كما أن من الإنصاف العلمي الإشارة إلى أن دراسة نباتات سلطنة عُمان والجزيرة العربية قد شهدت إسهامات بارزة لعدد من الباحثين، منهم شاهينا غضنفر، وميراندا موريس، وأنتوني جي. ميلر، وأنيت باتزلت، الذين قدموا أعمالًا مرجعية في توثيق الفلورا الإقليمية. ومع ذلك تبقى إسهامات الباحثين العرب جزءًا أساسيًا من هذا البناء العلمي المتكامل، ويستحق مزيدًا من التوثيق والإبراز.
الاسم: عرار الجنوب العُماني
الاسم العلمي: Pulicaria pulvinata E.Gamal-Eldin
هو نوع نباتي من جنس يرتبط اسمه بطرد الحشرات، يتميز بنمو وسادي منخفض، وقد قامت بوصفه علميًا العالِمة المصرية (السيدة جمال الدين)، E هو أول حرف من اسم العالمة (السيدة)
وقد جاء في الورقة العلمية الأصلية:
“which I name P. pulvinata on account of its loose, cushion-forming habit.”
الترجمة الدقيقة:
"وقد سميتُه pulvinata بسبب طبيعته التي تُشكّل وسادة نباتية مفككة".





