التحشيد العسكري ومستقبل الشرق الأوسط.. هدنة التذخير

 

 

 

محمد جعفر **

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط حاليًا واحدًا من أكبر التحشيدات العسكرية الأمريكية منذ غزو العراق عام 2003. الهدنة الحالية، التي بدأت في 8 أبريل ومن المفترض أن تنتهي في 22 أبريل، لم توقف تدفق التعزيزات؛ بل استغلتها جميع الأطراف خاصة واشنطن لترميم قدراتها وتجهيز مسرح العمليات لاحتمال استئناف القتال.

​في التفاصيل التي لا تقل خطورة عن نسف طاولة المفاوضات مرات عدة وعدم الوفاء بالعهود طويلا للحلفاء فضلًا عن الأعداء والخطاب "الديماجوجي والأداء الترامبي المسرحي" المبني على الفخر الوطني بدلًا من استخدام المنطق والحجج العقلانية يمكن رصد الآتي:

أولًا: الجانب الصهيوأمريكي

عملت المؤسسة العسكرية الأمريكية علي زيادة التعزيزات العسكرية ونقل الأسلحة وزيادة أعداد الجنود، فقد أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا عن نشر آلاف الجنود الإضافيين. كما وصلت السفينة الهجومية البرمائية (USS Tripoli) وعلى متنها 3500 جندي من مشاة البحرية، ومن المتوقع وصول مجموعة (USS Boxer) البرمائية مع الوحدة 11 من المارينز بحلول نهاية أبريل.

​أما حاملات الطائرات التي تتواجد بالفعل وعلى متنها مجموعات قتالية ضخمة تقودها حاملات الطائرات (USS Abraham Lincoln) و(USS Gerald R. Ford)، إضافة إلى أنباء عن تحرك الحاملة (USS George H.W. Bush) وعلى متنها قرابة 6000 جندي لدعم العمليات. ويمكن إجمالي عدد القوات من العسكريين الأمريكيين في المنطقة الآن بحوالي 50000 إلى 60000 جندي، موزعين بين القواعد الثابتة والوحدات المتحركة في البحر.

و​على صعيد آخر، يجري الاستعداد عبر نقل الأسلحة والمعدات والذخائر وتدشين ​جسر جوي بحري خلال فترة الهدنة، ويُدلِّل على ذلك رصد عمليات نقل مكثفة للذخائر والمعدات لتعويض النقص الناتج عن الـ40 يومًا الأولى من القتال (التي شهدت تنفيذ من 13000 الي 15000 ضربة جوية صهيوأمريكية) إضافة الي ​تعزيز الدفاعات الجوية الإقليمية حيث وافقت الخارجية الأمريكية في مارس وأبريل 2026 على مبيعات أسلحة طارئة ونقل معدات من المخزون الأمريكي لدول الجوار (الإمارات، الكويت، الأردن) تشمل:

​- منظومات THAAD (الدفاع الجوي للارتفاعات العالية).

​- صواريخ AMRAAM للجو-جو.

​- أنظمة مضادة للطائرات المسيرة (FS-LIDS) لمواجهة الهجمات الانتحارية بالطائرات المُسيّرة.

​كما نقلت طائرات مقاتلة وتم إعادة تموضع مقاتلات من طراز F-22 Raptor وF-15E Strike Eagle من قواعد في أوروبا (مثل قاعدة لاكنهيث في بريطانيا) إلى قواعد في الأردن وإسرائيل لتقصير زمن الاستجابة.

كما طبقت واشنطن بنود استراتيجية الدفاع الوطني 2026 التي تدفع الحلفاء الإقليميين لتحمل مسؤوليات أمنية أكبر، مما يخفف العبء عن القوات الأمريكية ويهيئ المنطقة لإدارة أمنية ذاتية مدعومة أمريكيًا.

​ويمكن إجمال الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من التحشيد أثناء الهدنة في الآتي:

  1. ​الضغط على إيران للتفاوض؛ حيث تهدف واشنطن لإظهار أن "خيار الحرب البرية" أو تدمير المنشآت النووية بالكامل لا يزال مطروحًا إذا لم تلتزم طهران بشروط الهدنة الدائمة والمضي قدما في المفاوضات والتلويح الدائم بان واشنطن جادة في العودة الي الحرب إذا لم تتوصل إيران الى اتفاق مرض يأخذ في الاعتبار خطوط أمريكا وإسرائيل الحمراء.
  2. تأمين الممرات المائية؛ إذ بدأت القوات الأمريكية بالفعل في مهام "إزالة الألغام" في مضيق هرمز لضمان تدفق النفط، وهي خطوة عسكرية هجومية بغطاء تأميني قد تعرقلها إيران.

ثانيًا: الجانب الإسرائيلي

استغل الجانب الإسرائيلي فترة الهدنة وهدوء الأوضاع علي الجبهة الإيرانية بالتلاعب باتفاق الهدنة عبر التصريح بأن لبنان غير مشمولة في هذا الاتفاق ومن ثم اطلقت يد قواتها الجوية لإحداث مجازر وإبادة جماعية كما وسعت من عملياتها البرية عبر حصار مدن ومنع السكان من العودة إلى قراهم التي هجروا منها رغم الدمار الكبير الذي لحق بها وتعزيز تواجد قواتها باحتلال شريط عرضة عشرة كيلو مترات على طول الحدود اللبنانية، كما وجه بنيامين نتنياهو خطابًا للشعب الإيراني حثهم فيه على "انتزاع مصيرهم وتغيير النظام"، واصفًا اللحظة بأنها "فرصة تاريخية لن تتكرر لأجيال" على حد قوله.

على الصعيد الفلسطيني، واصل الاحتلال الإسرائيلي قصف قطاع غزة يوميا وإن بوتيرة أقل حدة مع الإبقاء على سياسة الاغتيالات والتجويع وعدم الوفاء بأدنى معايير خطة ترامب لوقف الحرب وإعادة الإعمار في المقابل أبقت على سياسة ​التوسع الاستيطاني وتثبيت السيطرة على أراضي الضفة الغربية بإصدار قرارات بإنشاء 34 مستوطنة جديدة، وتحويل مناطق في القدس إلى "ثكنات عسكرية" لفرض السيطرة الأمنية؛ بل وأبقت على المسجد الأقصى مغلقا لأكثر من 40 يومًا مع تثبيت الاعلام الإسرائيلية عليه في تحد سافر لمشاعر أكثر من ملياري مسلم. كما تُصر إسرائيل والولايات المتحدة على نزع سلاح حركات المقاومة الفلسطينية ضمن مفاوضات "قوة الاستقرار الدولية" في غزة كشرط أساسي لاستمرار الهدنة، مع بدء نشر قوات دولية لمراقبة الالتزام.

​​ثالثًا: الجانب الإيراني:

لم يكن الجانب الإيراني بمعزل عن خطوات التحشيد العسكري والتذخير استغلالًا لخفض التصعيد أثناء الهدنة فقد عززت من حضورها الإقليمي والسيادة البحرية عبر ​فرض "رسوم عبور" في مضيق هرمز لفرض أمر واقع جديد يسمح لها بتحصيل رسوم تصل إلى 2 مليون دولار لكل سفينة تعبر المضيق، بهدف استخدام هذه العوائد في "إعادة الإعمار"؛ مما يعزز سيطرتها الاقتصادية والسيادية على الممر المائي. كما أبدت تمسكًا بالتخصيب النووي في خطتها المكونة من 10 نقاط، وترفض بشكل قاطع نقل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، مما يبقي على قدراتها النووية كأداة ضغط قوية في مواجهة التحالف. كما هددت بفتح جبهة "مضيق باب المندب" في حال حاول الخصوم القيام بعمل بري في الجزر الإيرانية أو أبقوا على حصارهم للمضيق مما يوسع نطاق التهديد ليشمل طرق ملاحة دولية أخرى. وتدليلًا على الجاهزية نشرت القنوات الإيرانية مقاطع فيديو من داخل أنفاق مخازن الصواريخ للتأكيد على وفرة ما لديها؛ بل أعلنت قيادات إيرانية أنها تملك مفاجآت حال تجدد القتال.

باختصار.. الهدنة ليست حالة "سكون" عسكري؛ بل هي عملية إعادة تذخير وتموضع شاملة تجعل القوات الأمريكية في ذروة استعدادها القتالي لحظة انتهاء مهلة الـ14 يومًا وغير بعيد عن ذلك الجانب الإيراني فقد استعد جيدًا ورتَّب أوراقه لجولة قد تكون أعنف من سابقتها والأدوات فيها مختلفة نسبيًا؛ مما يجعل فترة الهدوء الحالية مجرد "استراحة محارب" يعيد فيها الجميع ترتيب أوراق القوة والتحسب للمعركة الصفرية المقبلة.

** كاتب وباحث

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z