إسماعيل بن شهاب البلوشي
منذ بداية الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، برزت ظاهرة لافتة تستحق التأمل أكثر من الحدث نفسه، وهي اتساع الفجوة بين ما يجري على الأرض، وبين ما يُطرح من تحليلات وتوقعات في وسائل الإعلام والمنصات السياسية؛ فقد تابع كثيرون عشرات القراءات التي جُزِم فيها بقرب الحرب، ثم تراجع أصحابها. كما سمعنا من أكد أنَّ التهدئة باتت محسومة، ثم تبدلت الصورة بعد ساعات. وبين هذا وذاك، بدا المشهد وكأنه يتحرك خارج نطاق المدارس التقليدية في فهم الأزمات الدولية.
شخصيًا، ومنذ الأيام الأولى للتصعيد، لم أجد كثيرًا من التحليلات يلامس حقيقة ما يحدث، أو يقترب من استشراف المسار القادم بدرجة معقولة من الدقة. والسبب في تقديري لا يعود فقط إلى ضعف بعض المحللين، بل إلى أن الأزمة نفسها لم تكن تسير وفق قواعد مستقرة، ولا وفق رؤية واضحة المعالم يمكن البناء عليها. فعندما تغيب الخطة المُعلنة، وتضطرب الرسائل السياسية، يصبح التحليل أقرب إلى التخمين منه إلى القراءة العلمية.
في الأزمات الكبرى، تعتمد مراكز الدراسات والخبراء على مؤشرات معروفة: أهداف معلنة، مصالح استراتيجية، رسائل دبلوماسية متناسقة، تحركات عسكرية مفهومة، وسقف سياسي يمكن قياسه. لكن حين نجد تصريحًا يتحدث عن الحسم، ثم يليه تصريح آخر يفتح باب التفاوض، ثم اجتماعًا يقال إنه فشل، ثم إعلانا جديدا يمنح فرصة إضافية، فإن أدوات التحليل التقليدية تصبح محدودة الفاعلية.
إن منح الفرص للحوار والتراجع عن الحرب أمر إيجابي بلا شك، بل هو الخيار الأكثر حكمة متى ما كان ممكنًا. غير أنَّ الإشكال ليس في التراجع عن التصعيد، بل في التناقض بين الخطاب السابق والقرار اللاحق. فحين تُبنى مواقف حادة، ثم تُنقض سريعًا دون تفسير مؤسسي واضح، فإنَّ ذلك يربك الحلفاء قبل الخصوم، ويجعل المتابعين أمام حالة من الضبابية المستمرة.
ومن أكثر ما شدَّ الانتباه في هذه الأزمة، أسلوب الاتصال السياسي القائم على التدفق المستمر للتصريحات والتغريدات، حتى بدا أن القرار الاستراتيجي يُدار أحيانًا بمنطق اللحظة، لا بمنطق المؤسسات. ولم يعرف العالم الحديث كثيرًا من النماذج التي يُعبَّر فيها عن ملفات الحرب والسلم بهذا القدر من الرسائل اليومية المتغيرة، والتي قد تحمل في بعضها نبرة تهديد، وفي بعضها الآخر لغة تصالح، وفي أحيان ثالثة نقدًا للحلفاء أو للمستشارين أنفسهم.
هذا النمط يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام مدرسة سياسية جديدة تتجاوز البيروقراطية التقليدية وتراهن على عنصر المفاجأة؟ أم أننا أمام نموذج يقوم على شخصنة القرار، بحيث تصبح تقديرات الفرد ومزاج اللحظة أسبق من عمل المؤسسات والخبراء؟
إذا كان الاحتمال الأول صحيحًا، فإن العالم أمام أسلوب جديد يحتاج إلى أدوات فهم مختلفة. أما إذا كان الاحتمال الثاني هو الأقرب، فإنَّ ذلك يعني أن إدارة الأزمات أصبحت أكثر هشاشة، لأن القرارات الفردية مهما بلغت جرأتها تظل أقل توازنًا من القرار المؤسسي القائم على تعدد الرأي وعمق الدراسة.
التاريخ السياسي يعلمنا أن الدول الكبرى لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على إنتاج قرار متزن، يمكن التنبؤ بمنطقه حتى عند الاختلاف معه. أما حين يصبح المشهد متقلبًا بين ساعة وأخرى، فإن الثقة الدولية تتآكل، وتزداد احتمالات سوء الفهم، وترتفع كلفة الأخطاء غير المقصودة.
إن أزمة أمريكا وإيران لم تكشف فقط حجم التوتر في المنطقة، بل كشفت أيضًا أزمة أعمق تتعلق بكيفية صناعة القرار في العصر الحديث، وحدود قدرة المحللين على قراءة مشهد لا تحكمه قواعد ثابتة. وبين ارتجال القرار وفقدان التحليل، يبقى العالم كله معرضًا لدفع ثمن لحظة غير محسوبة.
وأخيرًا.. هل مساحة ليست سهلة وتحتاج إلى تعمق فكري في مجال الخداع الاستراتيجي وهل يمكن تجاوز ذلك من خلال تحليل وتحقيق يفوق مستوى المحللين لهذه المرحلة؟
