علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)
كُن نحلةً تحمل رحيق السلام.. ولا تكن ذبابةً تحمل غُثاء الأمم
في عصر الفضاءات المفتوحة والمنصات الرقمية، التي تحولت من أدوات للتعارف إلى ساحات للمعارك الكلامية، تبرز ظاهرة "الذباب الإلكتروني" كواحدة من أكثر الأوبئة الرقمية فتكًا بالسلم الاجتماعي والعلاقات بين الشعوب. وبينما يندفع البعض بحسن نية للدفاع عن وطنهم أو معتقداتهم، يقعون في فخ الجدال العقيم الذي لا يورث إلا الشحناء. وهنا يأتي السؤال الجوهري: كيف يواجه العُماني، المتسلح بإرثه الأخلاقي الرصين، هذه العواصف الرقمية؟
الإجابة تكمن في الحكمة القديمة والمتجددة: "إذا جاريت في خلق دنيئًا فأنت ومن تجاريه سواء".
وقود الفتنة: كيف يتغذى الذباب الإلكتروني؟
إن "الذباب الإلكتروني"، سواء كان حسابات وهمية بأسماء مستعارة أو أشخاصًا كرّسوا وقتهم لبث الفتن، لا يمتلك قوة ذاتية، بل يستمد قوته الحقيقية من "الرد". فكل تعليق غاضب، وكل إعادة تغريد للاحتجاج، وكل "منشن" للشتم، هو بمثابة "الأكسجين" الذي يبقي هذه الحسابات على قيد الحياة.
والهدف من هذه الحسابات في منصة "X" وغيرها ليس إقناعك بوجهة نظر، بل استفزازك لتخرج عن طورك وتستخدم لغة بذيئة تشوه صورتك وصورة وطنك. وعندما ترد على الإساءة بالإساءة، فأنت لا تدافع عن عُمان، بل تمنح المسيء ما أراد: انتشارًا أوسع، وصورة ذهنية سلبية عن الإنسان العُماني بأنه "مهاتر" أو "شاتم".
فلسفة النحلة في مواجهة الذباب
لطالما عُرف العُمانيون عبر التاريخ بـ"دبلوماسية الصمت" والترفع عن الصغائر. ونحن مطالبون اليوم بأن نكون "نحلًا" يحمل رحيق الفكر، وينتج سلامًا فيه شفاء للناس، لا ذبابًا ينقل فيروسات الكراهية.
الأخلاق العُمانية ليست مجرد شعارات، بل هي ممارسة تظهر في أحلك الظروف. إن التثقف من أجل الجدال والسب انتكاسة فكرية؛ فالعلم الذي لا يهذب اللسان هو جهل.
ومن الأمثلة العجيبة أن يشتم الرجل والديه، فيُقال: كيف؟
قال: رجل شتم آخر بوالديه، فيرد الآخر بالمثل، فيكون الأول هو السبب في شتم والديه، كما حذرنا الرسول الكريم ﷺ.
هذا القياس ينطبق تمامًا على الوطن؛ فمن يشتم الشعوب الأخرى باسم الوطنية، يفتح الباب واسعًا لكل ناعق ليشتم وطنه ورموزه، ويكون هو المتسبب الأول في هذه الإساءة.
الإهمال: سلاح الردع الأقوى
الحل ليس في الدخول في "ترندات" الشتم، بل في "الإهمال التام". فالإهمال هو الموت السريري لهذه الحسابات. عندما يكتب المغرد المسيء ولا يجد من يرد عليه، تصبح كلماته صدى في وادٍ فارغ.
تذكر دائمًا أن من يتحصن خلف اسم مستعار ليس لديه ما يخسره، أما أنت فخلفك تاريخ عظيم، وسمعة وطن يُضرب به المثل في الأدب. إن الأنظمة والقوانين قد تلاحق المسيئين، لكن "الرقابة الذاتية" هي الحصن الأول.
ترفعوا عن سفاسف الأمور، وانأوا بأنفسكم عن معارك "المنصات" التي تُدار بأجندات مشبوهة تهدف إلى تمزيق النسيج العربي والخليجي. العُماني كان وسيظل أكبر من أن يُستدرج إلى مستنقع الكلمات البذيئة.
رسالة إلى مغردي منصة (X)
يا إخوة الحرف والوطن، منصة "X" هي واجهة أمام العالم. ليكن تغريدكم بناءً، وردكم إحسانًا، وصمتكم وقارًا. لا تجعلوا من حساباتكم منصات لتمرير فتنة أو شتم شعب أو نظام.
تذكروا أن الكلمة التي تخرج من لوحة مفاتيحكم ستبقى شاهدة عليكم. إن حماية سمعة عُمان تبدأ من "تجاهل" السفهاء، وليس بمجاراتهم.
إن الذي يتثقف ليشتم ويجادل، إنما يبني قصرًا من الرمل سينهار مع أول اختبار أخلاقي. لنكن كما أراد لنا جلالة السلطان -حفظه الله- وكما علمنا آباؤنا: دعاة سلام، ومنارات أدب، وسدودًا منيعة أمام كل فكر دخيل يحاول تلويث نقاء الشخصية العُمانية.
وختامًا.. تذكروا أن وقود الحرب الكلامية هو "الرد"، وأن إطفاءها يبدأ بـ"تجاهل" المصدر. دعوا الذباب يطن في الخلاء، وكونوا أنتم النحل الذي لا يقع إلا على الطيب، ولا يخرج منه إلا كل طيب.
عُمان أمانة في أعناقكم، وفي كلماتكم، وفي صمتكم الحكيم.
