الشارع السريع ليس سريعًا

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

 

في مدينةٍ تُطلُّ على البحر كأنها تتأمل مرآة الزرقة؛ حيث تقف الجبال حارسةً للصمت، يمتدُّ ما يُسمّى بـ"الشارع السريع" في مسقط، ممتدًّا كفكرةٍ جميلةٍ أسيء تنفيذها. هو شارعٌ يحمل اسم السرعة، لكنه -في مفارقةٍ تُضحك القلب وتُبكي الأعصاب- أبطأ من حكايةٍ تُروى على مهلٍ في مساءٍ طويل.

تدخل إليه صباحًا مفعمًا بالأمل، فتخرج منه مساءً وقد اكتسبت حكمة الشيوخ وصبر الأنبياء.

السيارات فيه لا تسير، بل تتأمل؛ لا تتقدم، بل تتفاوض مع الزمن.

كأن كل مركبةٍ قررت أن تمارس حقها في الوقوف، لا لشيء إلا لتُثبت أن الاسم لا يطابق المسمّى، وأن السرعة مجرد اقتراحٍ لغوي لا أكثر.

وفي زحمةٍ كهذه، تتكاثر المشاهد العبثية: سائقٌ يحفظ نشرات الأخبار عن ظهر قلب، وآخر يُنهي مكالماته المؤجلة منذ الأمس، وثالثٌ يُعيد التفكير في اختياراته الحياتية كلها، بدءًا من شراء السيارة وانتهاءً بقرار التقاعد المحتمل.

أما الشارع نفسه، فيبدو ككائنٍ ساخرٍ يبتسم بخبث، كأنه يقول: "تعلموا الصبر، فهذا درسي اليومي لكم".

غير أن السخرية -على طرافتها- لا تُخفي حقيقةً موجعة: ازدحامٌ يسرق الوقت، ويستهلك الأعصاب، ويختبر طاقة المدينة على الاحتمال.

ولعل الحل لا يكمن في توسعة الطريق فحسب، بل في توسيع الوعي: نقلٌ عامٌّ فعّال، توزيعٌ ذكي لأوقات العمل، وتشجيعٌ حقيقي على تقاسم الرحلات؛ فالشوارع لا تختنق إلا حين نُصرّ جميعًا على المرور منها في اللحظة نفسها.

وهكذا.. يبقى "الشارع السريع" شاهدًا على مفارقةٍ حضريةٍ لافتة: طريقٌ يُفترض أن يختصر الزمن، فإذا به يعلّمنا كيف نضيّعه... بأناقةٍ شديدة.

** شاعرة وكاتبة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z