محمد رامس الرواس
لم يعد مستقبل الدول، خاصة بعد دروس جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية التي حدثت، يُقاس بمخزونها من النقد، بل بمخزونها من الحبوب والمنتجات الزراعية والدواء، وقدرتها على استغلال أراضيها الزراعية وقت الأزمات.
في سلطنتنا الحبيبة عُمان، تبرز أماكن واعدة لسلل غذائية استراتيجية، سواء قرب الجبال أو الأودية أو المناطق شبه الصحراوية، هذا بجانب المزارع، وجميعها تبرز كعوامل إنمائية زراعية يمكن من خلالها زراعة محاصيل استراتيجية يمكن استثمارها من أجل تحقيق الاستقرار الغذائي والاكتفاء الذاتي من المحاصيل والمزروعات.
ومن هذه المناطق، تأتي منطقة نجد بمحافظة ظفار، التي تقع شمال غرب مدينة ثمريت، بمناطقها الزراعية (الهيلة وشصر وحنقيت وقتبيت وبيثنة وغيرها)؛ كون مزارعها حققت قصص نجاح ذات دلالات وشواهد عن إمكانية تحويل الأرض الصحراوية إلى فرص استراتيجية واستثمارية من الأراضي الزراعية التي تُعد نموذجًا زراعيًا واعدًا بسلطنة عُمان، بفضل ما حباها الله من المخزون المائي الجوفي الذي يحتاج إلى الاستغلال الأمثل؛ حيث أثبتت العقود الثلاثة الفائتة أنها بيئة مناسبة للإنتاج الزراعي على مدار العام، يمكن الاستفادة منها لتصبح واحات نماء وخيرات عطاء زراعي. ومع ثبات قدامى المزارعين وتضحياتهم، وتطور تقنيات الري الحديث، ودخول مستثمرين جدد، بدأت ملامح مشروعات وطنية كبرى تتطلب وجود منظومة وطنية مستدامة وخارطة طريق تتوافق مع رؤية "عُمان 2040".
واليوم تشهد منطقة النجد تحديات كبرى، يتطلب من الجهات المعنية الجلوس مع المزارعين القدامى الذين قامت على أكتافهم المزارع منذ البداية. وبرغم تعدد المحاصيل الزراعية التي تمثل عصب الأمن الغذائي بالسلطنة، منها الأعلاف التي تعد رافدًا مهمًا للثروة الحيوانية بالسلطنة ككل ومحافظة ظفار على وجه الخصوص، بجانب زراعة القمح بأنواعه والتمور بأنواعها، تمتد السلة الغذائية الكبرى للنجد إلى إنتاج الخضراوات مثل الطماطم، والبطاطس، والبصل، والخيار، إلى جانب الفواكه كالبطيخ والشمام التي عُرفت بجودتها العالية وطعمها المميز، نتيجة نقاء البيئة واعتدال المناخ النسبي.
هذا التنوع يمنح منطقة النجد ميزة تنافسية، ويجعلها قادرة على تغطية جزء كبير من احتياجات السوق المحلي، بل وفتح آفاق للتصدير، وقد بدأت بالفعل منتجات منطقة النجد تفرض حضورها في الأسواق العُمانية والأسواق القريبة، وسط ثقة متنامية من المستهلكين الذين وجدوا في المنتج المحلي خيارًا آمنًا وموثوقًا به.
غير أن هذه النجاحات المهمة للمزارعين بالنجد، وبالرغم من أهميتها، إلا أنها لا تزال في حاجة إلى إطار استراتيجي أوسع، يحول المنطقة من مشاريع زراعية واعدة إلى منظومة وطنية متكاملة للأمن الغذائي، يُنظر فيها أولًا إلى قدامى المزارعين بعين الاعتبار، وإلى المستثمرين الجدد الذين يتجاوز عددهم 200 مستثمر، مع أهمية دعم الجميع عبر تسويق منتجاتهم حماية لها من المنتج الخارجي.
هنا تبرز الحاجة إلى تبني أفضل أساليب الاكتفاء الزراعي، منها: إنشاء بنك زراعي لدعم الإنتاج وتسويقه وزيادته، وإنشاء شركات مختصة بتوفير العمالة الموسمية للمزارعين، وتثبيت أسعار المخصبات والأدوية الزراعية التي ارتفعت أسعارها. إن الاستثمار الذي نتحدث عنه هنا هو في الأساس استثمار حكومي وطني، ثم استثمار مزارعين وشركات ومشاريع الشباب، لأنه أولًا وأخيرًا استثمار في الاستقرار الاجتماعي، وبناء اقتصاد مرن لا يتأثر بتقلبات الأسواق العالمية.
لذلك كانت ولا تزال الحاجة إلى دعم أصحاب المزارع عن طريق إنشاء المخازن والصوامع ومخازن التبريد ومراكز التسويق، وبناء قرى مكتملة الخدمات لاستقرار السكان قرب مزارعهم التي يزيد عددها على 250 مزرعة قائمة ومنتجة متفاوتة المساحات، وإمدادهم بالخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء والطرق وغيرها، مع تمكين المزارعين بالتقنيات الحديثة والتدريب المستمر لهم، بالإضافة إلى زيادة حفر الآبار. هذا بجانب وضع سياسات تحفيزية تضمن استدامة الإنتاج وتحقيق الجدوى الاقتصادية، وكلها عوامل باتجاه وجود سلة غذائية عُمانية ذات مردود للأمن الغذائي لمستقبل غذائي، في ظل ما يشهده العالم من توترات وأمراض وأوبئة منتشرة، وجائحة كورونا ليست عنا ببعيد، وقد شاهدنا كيف تم إغلاق المدن والبلدان، فلم ينفع حينها إلا من استثمر بوطنه.
من هنا، فإن المسؤولية تتعاظم على كافة الجهات الحكومية المعنية لتكثيف جهودها في دعم هذه المنطقة، مع فرز المزارعين عن الشركات الاستثمارية الكبرى، وهذا ما يحدث في كافة دول العالم، فدعم المزارعين القدامى أولوية.
إن الاستثمار في منطقة النجد هو استثمار في الاستقرار، واستثمار في تعزيز وبناء اقتصاد مستدام لا يتأثر بتقلبات الأسواق العالمية، وهو أحد أبرز مخرجات رؤية "عُمان 2040". وفي زمن الأزمات والإغلاقات لا يُقاس غنى الدول بما تملك من سيولة نقدية، بل بما تنتجه أراضيها من محاصيل زراعية، وبما تنتجه مصانعها في مختلف القطاعات.
