سيادة للإيجار

 

 

الطليعة الشحرية

في السياسة الدولية، لا شيء يبعث على السخرية أكثر من مشهد الحليف الذي يعلن التزامه بحمايتك، ثم يبدأ عمليًا في تضييق مجال حركتك، وجرّك إلى ساحات توتر لم تخترها، ووضع يده على منافذك الحيوية بحجة أنه الأقدر على إدارتها. إنه ذلك النوع من الحلفاء الذي لا يكتفي بأن يطمئنك إلى صدق نواياه، بل يصرّ أيضًا على أن مصلحتك الحقيقية لا تعرفها أنت، بل يعرفها هو أكثر منك.

وهكذا تتحول الشراكة، بهدوء دبلوماسي كامل، من صيغة للتعاون إلى آلية ضبط، ومن مظلة حماية إلى سقف منخفض للحركة، ومن تحالف دفاعي إلى حالة وصاية أنيقة تتحدث كثيرًا عن الأمن المشترك، فيما تمارس عمليًا إعادة تعريف حدود السيادة وحدود القرار وحدود المسموح والممنوع.

المفارقة هنا ليست أخلاقية فقط، بل منطقية أيضًا. فإذا كانت التحالفات تقوم، في تعريفها الطبيعي، على تبادل المصالح وتقاسم الأعباء واحترام الحد الأدنى من الاستقلال المتبادل، فإن أي سلوك من طرف حليف يؤدي إلى خنق خيارات شريكه أو احتكار ممراته أو ربط أمنه بقرار خارجي منفرد، لا يمكن وصفه بسهولة بأنه امتداد للتحالف نفسه، بل هو انحراف عنه. وفي هذه اللحظة تحديدًا يظهر التناقض الأكبر: كيف يمكن لدولة أن تُصنَّف حليفًا استراتيجيًا، ثم تُعامل جغرافيتها الحيوية كما لو كانت منطقة إدارة مؤقتة بيد طرف أقوى؟ وكيف يمكن لممرات تقوم عليها حياة دول بأكملها أن تُدار سياسيًا بمنطق "نحن نحميها من أجلكم"، بينما النتيجة الفعلية هي أن أصحابها الأصليين يصبحون أقل الأطراف قدرة على تقرير مصيرها؟

ومن زاوية القانون الدولي، يبدو المشهد أكثر تهكمًا مما يحتمله الخطاب الرسمي. فمبادئ السيادة وعدم التدخل وحرية الملاحة لا تبدو، في ظاهرها، بحاجة إلى كثير من الشرح؛ فهي من أكثر القواعد وضوحًا في النظام الدولي الحديث. لكن المشكلة ليست في النصوص، بل في الطريقة المسرحية التي يُعاد بها تفسيرها كلما تعارضت مع نفوذ الأقوياء. فحين تضع دولة كبرى قواتها وقرارها وإشرافها العملي فوق ممر حيوي يعود أثره المباشر على دول حليفة، ثم تصف ذلك بأنه "حماية للاستقرار"، فإننا لا نكون أمام تطبيق للقانون الدولي بقدر ما نكون أمام واحدة من أكثر طرق الالتفاف عليه أناقة. فحتى وضع اليد يمكن تسويقه، متى ما صيغ بعناية، على أنه مساهمة نبيلة في خدمة الأمن الجماعي.

ولهذا يبدو السؤال الساخر مشروعًا، بل ضروريًا: إذا كان الهدف فعلًا حماية الممرات الحيوية ومنع تهديدها، فلماذا يبدو المشهد أحيانًا وكأن المقصود ليس حمايتها، بل إدارتها فعليًا من خارجها، وتحويل المرور فيها إلى وظيفة خاضعة لإشراف القوة المهيمنة، لا لحق أصيل تحكمه السيادة والقواعد الدولية؟ هنا لا يعود الحديث عن حماية مجردة، بل عن هندسة نفوذ. ولا تعود الأزمة مجرد أزمة إجراءات أمنية، بل أزمة تعريف؛ أين تنتهي الحماية، وأين يبدأ الاحتلال الناعم؟

وفي هذا السياق يبرز ما يمكن تسميته بسيناريو "التحالف الصادم غير المتوقع"، وهو سيناريو لا يقوم بالضرورة على الرغبة في تغيير المحور بالكامل، بل على استخدام فكرة التغيير نفسها كسلاح تفاوضي وردعي. فالطرف الذي يشعر أن حليفه التقليدي يتعامل معه باعتباره تابعًا لا شريكًا، قد يبدأ بالتلميح إلى خيارات غير مألوفة، أو إلى قنوات تقارب مع أطراف لا تخطر عادة ضمن خرائط الاصطفاف المعتادة. من الناحية التحليلية، لا تكمن قوة هذا السيناريو في تنفيذه الكامل، بل في رمزيته؛ إنه إعلان ضمني بأن الاحتكار الاستراتيجي ليس مضمونًا، وأن الحليف الذي يضغط أكثر من اللازم قد يدفع شركاءه إلى التفكير بخيارات لا يحبها.

لكن هذا السيناريو، وإن بدا جذابًا على مستوى الرسالة، ليس لعبة خالية من التكاليف. فالقوى الكبرى لا تقرأ التلويح بإعادة التموضع الجيوسياسي بوصفه مجرد مناورة لفظية، بل قد تعتبره بداية تمرّد على منظومة النفوذ القائمة. لذلك فإن جدواه لا تكون في الارتماء الحقيقي في أحضان محور بديل، بل في استخدامه بحساب شديد الدقة، كورقة تذكير لا كورقة انتحار، وكإشارة إلى وجود بدائل محتملة لا كقرار متسرع بالقفز إلى اصطفاف جديد قد يكون أشد كلفة من القديم. باختصار، هذا السيناريو ينجح حين يربك حسابات الحليف المهيمن، لا حين يحول الدولة المتضررة إلى رهينة لمحور آخر.

أما السيناريو الأخطر، فهو ذلك الذي يتجاوز مجرد الضغط أو الوصاية إلى احتمال احتلال أو ضم دول من مجلس التعاون، سواء بصيغته العسكرية المباشرة أو بصيغته السياسية المقنعة. صحيح أن هذا الاحتمال، في صورته التقليدية الصريحة، يبدو بالغ الكلفة ومعقد التبعات إقليميًا ودوليًا، لكن مجرد التفكير فيه يكشف هشاشة البيئة التي تنتجها التحالفات غير المتوازنة. فالاحتلال اليوم لا يبدأ بالضرورة بإنزال عسكري واسع، بل قد يبدأ بخلق واقع يجعل الدولة عاجزة عن حماية قرارها ومنافذها وسيادتها الاقتصادية، إلى أن تصبح مسألة "السيطرة الفعلية" قائمة حتى دون إعلان رسمي. وعند هذه النقطة، يصبح الضم بمعناه القانوني غير ضروري، لأن مضمونه العملي يتحقق عبر التحكم بالمجال الأمني والبحري والسياسي.

ومن هنا، فإن الحديث عن سيناريو احتلال أو ضم لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه احتمالًا عسكريًا مباشرًا، بل بوصفه نهاية منطقية لمسار يبدأ بتضييق هامش القرار، ثم إخضاع الممرات الحيوية، ثم تحويل الحليف إلى مساحة نفوذ لا إلى كيان مستقل. فإذا أصبحت الدولة غير قادرة على إدارة أمنها دون إذن، أو حماية تجارتها دون إشراف، أو رسم تحالفاتها دون موافقة، فإن السؤال لا يكون فقط: هل احتُلّت؟ بل: ما الذي بقي أصلًا من سيادتها حتى نبحث عن شكل الاحتلال المناسب لتعريف ما جرى؟

ولذلك فإن أخطر ما في هذا النوع من التناقضات ليس مجرد تضارب المصالح بين الحلفاء، بل تطور هذا التضارب إلى بنية دائمة تُدار فيها العلاقة بمنطق القوة لا بمنطق الشراكة. الحليف هنا لا يطلب من شريكه التنسيق، بل التكيّف. ولا يريده أن يكون شريكًا في صنع التوازن، بل عنصرًا مطواعًا داخله. وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، يصبح من العبث الاكتفاء بلغة المجاملة السياسية. فالمشكلة لم تعد في سوء تفاهم بين أصدقاء، بل في معادلة تسمح لحليف واحد بأن يجرّ الآخرين إلى النزاع، ويضع اليد على منافذهم، ثم يطالبهم بالتصفيق لأنه لم يسمِّ ذلك احتلالًا.

في النهاية، لا تحتاج الدول دائمًا إلى عدو واضح كي تقلق على سيادتها؛ أحيانًا يكفيها حليف شديد الحضور، واسع النفوذ، دقيق الإشراف، كريم الشعارات، إلى الحد الذي يجعلها تكتشف متأخرة أن الخطر الحقيقي لم يكن في انهيار التحالف، بل في استمراره بالشكل الذي يحوّل الحماية إلى تبعية، والمصلحة المشتركة إلى مصلحة مفروضة، والسيادة إلى بند بروتوكولي يُذكر في الخطابات ويغيب في الممارسة.

الأكثر قراءة

z