الدور العُماني في إدارة التوازنات مع إيران

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

في منطقةٍ تتشابك فيها المصالح وتتصاعد فيها التوترات، برزت سلطنة عُمان بوصفها نموذجًا فريدًا في إدارة العلاقات الإقليمية، لا سيَّما مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا الدور العُماني لا يمكن اختزاله في مفهوم الحياد السلبي، ولا فهمه باعتباره تردُّدًا سياسيًا، بل هو تعبير عن دبلوماسية واعية تقوم على قراءة دقيقة لتعقيدات المشهد الإقليمي، ضمن سياق خليجي أوسع يراعي توازنات القوة وتشابك المصالح.

لقد أدركت عُمان مُبكرًا أن القطيعة الكاملة في العلاقات الدولية تكاد تكون مستحيلة، حتى في أوقات الأزمات الحادة. ومن هذا المنطلق، حرصت على الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، مستفيدة من رصيدها السياسي والتاريخي، ومن موقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب معادلة حساسة تربط الخليج بالعالم. ولم تكن هذه المقاربة تكتيكًا ظرفيًا، بل نهجًا استراتيجيًا أثبت فاعليته عبر العقود.

وتُعد العلاقات العُمانية الإيرانية مثالًا واضحًا على هذا النهج؛ إذ لم تتأثر بشكل جذري بالتحولات السياسية الكبرى داخل إيران؛ بما في ذلك الانتقال من النظام الشاهنشاهي إلى النظام الحالي. هذا النهج مَنَحَ الدبلوماسية العُمانية خبرة تراكمية في التعامل مع أنماط سياسية مختلفة، وساعدها على بناء جسور ثقة يصعب تحقيقها في بيئة إقليمية متقلبة.

ولعل استحضار التجارب التاريخية يوضح عمق هذا الدور؛ فخلال الحرب العراقية- الإيرانية، ثم حرب الخليج الثانية، واجهت المنطقة تهديدات مباشرة لأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. ورغم حساسية تلك المرحلة، حافظت عُمان على سياسة متوازنة جمعت بين حماية مصالحها الوطنية والإسهام في تهدئة التوترات، مع تجنب الانخراط في سياسات الاستقطاب.

اليوم، ومع تعثّر المباحثات الأخيرة التي عُقدت في باكستان، يتجدد السؤال حول جدوى المسارات التفاوضية التقليدية التي غالبًا ما تُدار تحت ضغط سياسي وإعلامي مرتفع، وفي بيئات صعبة تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة المتبادلة. غير أن هذا التعثر لا يعني انسداد الأفق، بل يكشف عن حاجة ملحّة إلى نماذج دبلوماسية بديلة، أكثر مرونة وواقعية. وهنا تحديدًا، يبرز النهج العُماني لا كخيار بديل فحسب، بل كمسار واقعي لإعادة فتح قنوات التفاهم في بيئة إقليمية تتآكل فيها الثقة وتتزايد فيها احتمالات التصعيد بشكل مُتسارِع جدًا.

وفي هذا السياق، تبدو مسقط مؤهلةً من جديد لتكون منصة حوار موثوقة، بما تمتلكه من مصداقية لدى مختلف الأطراف، وقدرة على توفير بيئة تفاوضية هادئة قائمة على السرية والاحترام المتبادل. وقد أثبتت تجارب سابقة أن هذه المقاربة قادرة على تحقيق اختراقات نوعية في ملفات معقدة؛ سواءً على المستوى الإقليمي أو في العلاقة بين إيران والدول الغربية.

كما أن عُمان، بحكم علاقاتها المتوازنة، تستطيع أن تلعب دور "الجسر" بين أطراف متباعدة، فتُعيد صياغة مسارات التفاوض على أسس أكثر واقعية. ويمكن أن يشمل ذلك إطلاق قنوات خلفية غير رسمية، أو الدفع نحو إنشاء آليات اتصال دائمة تقلل من احتمالات سوء الفهم والتصعيد غير المقصود، لا سيَّما في القضايا المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي لا يخص دول المنطقة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى استقرار الاقتصاد العالمي.

وأهمية هذا الدور لا تقتصر على الوساطة التقليدية، بل تمتد إلى تقديم أفكار عملية لحلول وسط تستند إلى فهم عميق لمخاوف جميع الأطراف؛ فالدبلوماسية العُمانية -بما تتسم به من توازن ومرونة، قادرة على طرح مبادرات تدريجية- تفتح المجال أمام تسويات مرحلية، قد تتطور لاحقًا إلى اتفاقات أكثر شمولًا.

غير أن فاعلية هذا الدور تظل مرهونة بتفهُّم القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في احتواء التصعيد وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. والدبلوماسية العُمانية، مهما بلغت من توازن ومرونة، تحتاج إلى بيئة دولية مُسانِدة تعترف بأهمية الحلول التفاوضية، وتبتعد عن سياسات التصعيد العسكري التي تعرقل مسارات التهدئة.

كما أن تحقيق أي انفراج حقيقي يظل مرهونًا بكبح مصادر التوتر في الإقليم، وفي مقدمتها السياسات التصعيدية التي تنتهجها إسرائيل، والتي تسهم في زيادة تعقيد المشهد وتقويض فرص الاستقرار. ومن دون معالجة هذه العوامل، ستظل أي جهود للوساطة، مهما كانت جادة، عرضة للتعثر أو التراجع.

وفي هذا الإطار أيضًا، تبرُز ضرورة أن تنظر دول الخليج إلى هذا الدور العُماني بوصفه رافدًا للأمن الإقليمي، لا مصدرًا للريبة أو التوجس؛ فسياسة عُمان تجاه إيران لا تقوم على موازنة على حساب الأشقاء، بل على خلق قنوات تواصل تسهم في تخفيف التوترات وتعزيز الاستقرار الجماعي.

في ضوء ذلك، يمكن القول إنَّ تعثّر مفاوضات إسلام أباد قد يُشكِّل فرصةً غير مباشرة لإعادة الاعتبار للدبلوماسية الهادئة التي تمثلها عُمان. فبدلًا من التصعيد، تفتح هذه اللحظة المجال أمام دور عُماني أكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر، وإعادة بناء الثقة، وصياغة مسارات تفاوضية أكثر نضجًا.

إنَّ المنطقة، التي أنهكتها الأزمات والحروب، تحتاج اليوم إلى هذا النوع من الدبلوماسية.. دبلوماسية لا تبحث عن انتصارات وهمية، بل عن استقرار مستدام. وفي هذا السياق، تبدو عُمان، بنهجها المُتَّزِن وخبرتها التراكمية، أحد أهم المفاتيح الممكنة لإعادة فتح أبواب الحوار، وتجنُّب سيناريوهات التصعيد العسكري، وتمهيد الطريق نحو سلامٍ إقليمي طال انتظاره.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z