هل يعيد التاريخ نفسه في "قناة سويس" ثانية؟

كيف غيّر إغلاق "مضيق هرمز" موازين القوى الدولية؟

 


 

مرتضى بن حسن بن علي

 

يُعلِّمنا التاريخ أن سقوط القوى الكبرى لا يحدث بضربة واحدة؛ بل عبر سلسلة من المغامرات التي تبدأ بثقة زائدة وتنتهي بكشف حدود القوة. وفي المشهد الراهن بين واشنطن وطهران، تتشكل ملامح أزمة تذكّر، إلى حد بعيد، بما جرى في عام 1956، حين اصطدمت الطموحات الإمبراطورية بالواقع الجيوسياسي عند قناة السويس المصرية.

 

درس قناة السويس: حين انكسر منطق القوة

في أزمة العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، جاء قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس ردًّا سياديًا على ضغوط التمويل الغربي لبناء السد العالي. لكن الرد العسكري الذي خططت له بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لاسترداد القناة وتغيير الحكم في مصر، كشف لاحقًا حدود القوة.
بدأ الهجوم الثلاثي على مصر بعملية إسرائيلية في سيناء، تلتها تدخل بريطانيا وفرنسا تحت غطاء "حماية الملاحة"، إلّا أن النتائج جاءت مُعاكِسة تمامًا؛ حيث أُغلقت القناة، وتعطلت إمدادات النفط، وتحوّل الهجوم إلى أزمة دولية انتهت بضغط مزدوج من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ما أجبر المعتدين على الانسحاب من دون تحقيق أهدافهم.

كانت تلك اللحظة إعلانًا صريحًا لنهاية زمن الهيمنة البريطانية الفرنسية التقليدية، وبداية مرحلة جديدة أعادت تعريف موازين القوة في العالم.

 

المشهد الراهن: تكرار بأدوات مختلفة

اليوم، يبدو الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وكأنه نسخة محدثة من ذلك السيناريو، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين:

سلاح الممرات الحيوية: كما شكّلت قناة السويس نقطة ضغط في 1956، يبرز مضيق هرمز اليوم كورقة حاسمة، وأي تعطيل له ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما حدث بالفعل مع تصاعد التوتر.
ارتباك القرار السياسي: يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بين خطاب إنهاء "الحروب اللانهائية" وضغوط التصعيد العسكري، في معادلة تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

سوء تقدير الخصم: كما أخطأت بريطانيا وفرنسا في قراءة رد الفعل المصري عام 1956، تبدو واشنطن اليوم وكأنها فوجئت بقدرة طهران على الرد غير المتكافئ؛ سواء عبر استهدافات دقيقة أو عبر أدوات الضغط الاقتصادية.

 

هدنة أم اعتراف ضمني بالحدود؟

إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين واشنطن وطهران يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هو خطوة نحو تسوية، أم مجرد استراحة اضطرارية؟

عسكريًا: تكلفة الاستمرار في المواجهة باتت مرتفعة، خاصة مع اتساع رقعة الاستهداف وتزايد المخاطر على القواعد والقوات.

اقتصاديًا: المفارقة أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح إيران متنفسًا ماليًا، ما يقلل من فاعلية أدوات الضغط التقليدية كالعقوبات.

في هذا السياق، لا يبدو أن الحسم العسكري قادرًا على إنتاج نتائج سياسية واضحة، بل ربما يعمّق حالة الاستنزاف.

 

تحولات القوة: من الأحادية إلى التعددية

كما شكّلت أزمة السويس بداية تراجع الدور البريطاني والفرنسي، فإن التطورات الحالية تطرح تساؤلات جدية حول شكل النظام الدولي القادم والنفوذ الأمريكي.

هل تكون الحرب ضد إيران هي "نهاية الإمبراطورية الأمريكية كما نعرفها"، مثلما يتوقع تاكر كارلسون، الإعلامي الأمريكي المشهور، الذي كان من أكبر مؤيدي ترامب وأصبح الآن من أكبر منتقديه؟

كما كشفت مدينة بورسعيد المصرية عام 1956 شيخوخة لندن وباريس، قد يكشف مضيق هرمز عام 2026 أن عصر "القطب الواحد" قد ولّى، وأن القدرة على إشعال الحروب لا تعني بالضرورة القدرة على إدارتها أو إنهائها. وفي ظل انشغال واشنطن في صراع معقّد، تتحرك قوى أخرى بهدوء:
روسيا: تستفيد اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة، ما يعزز موقعها المالي.
الصين: تقدم نفسها كقوة أكثر توازنًا، معتمدة على النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي بدل المواجهة المباشرة.

وهذا التحول لا يعني نهاية فورية للهيمنة الأمريكية، لكنه يشير بوضوح إلى تآكلها التدريجي.

كما كشفت بورسعيد عام 1956 حدود القوة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، قد يكشف مضيق هرمز اليوم حدود القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة.
والتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيق أهداف سياسية؟ وهل يمكن إشعال حرب دون القدرة على التحكم بمآلاتها؟

في الإجابة عن هذه الأسئلة، قد تتحدد ملامح النظام الدولي القادم؛ نظام لم يعد فيه "القطب الواحد" قادرًا على إدارة العالم كما كان في السابق.

الأكثر قراءة

z