محمد بن رامس الرواس
"إننا لا نعيش في معزل عن العالم، ولكننا نؤمن بأن السلام لا يتحقق إلا بالعدل واحترام المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإنسانية".. من فكر السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه.
لا تُختزل السياسة العُمانية في كونها تقوم بوساطات دبلوماسية لإيجاد سبل لتقريب وجهات النظر عند النزاعات أو منصة للحوار المشترك، بل هي في أساسها مشروع حضاري يسعى لترسيخ الأخلاق السياسية كركيزة أساسية للعلاقات الدبلوماسية الداخلية والدولية. إن ما تقدمه سلطنة عُمان لجيرانها في الخليج وللعالم ليس مجرد حلول سياسية مؤقتة، بل هو نموذج سلوكي دبلوماسي يستمد قوته من عمق التاريخ العُماني ومنظومة القيم الإسلامية الأصيلة ليستفيد منه الجميع.
منذ فجر التاريخ، لم تكن السلطنة مجرد إمبراطورية بحرية عظمى، بل كانت مركزًا إشعاعيًا للقيم والمبادئ العليا. هذا الإرث الحضاري خلق الشخصية العُمانية الدبلوماسية وبلورها لتتسم بالهدوء والاتزان والرؤية الحسنة، والترفع عن الصغائر، وعمق النظر. وهذه الجذور هي التي جعلت من السلطنة دولة لا تنفعل عند الأزمات أو معها، بل تستوعبها بحكمة، مؤمنة بأن السياسة بلا أخلاق هي مجرد صراع عابر، بينما السياسة القائمة على المبادئ والقيم هي التي تبني الاستقرار وتنبذ الفتن والأزمات.
إن سلطنة عُمان، بهدوئها المعهود، تبعث برسالة متزنة وقوية في آن واحد تقول إن القوة الحقيقية للدول لا تكمن في ضجيج السلاح أو سطوة المال، بل في سمو الأخلاق وثبات المبادئ.
لقد أرسى السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مدرسة فريدة في الاتزان السياسي، ولم يكن هدفه بناء دولة حديثة فحسب، بل صياغة نهج دبلوماسي أخلاقي يعتمد على ثلاثة مبادئ: أولًا: الصدق في القول والعمل؛ حيث أصبحت مسقط الوجهة الموثوقة للجميع عند بحث الحلول والحوار. وثانيًا: الاحترام المتبادل لترسيخ مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، ليس من باب الانكفاء، بل من باب احترام سيادة الأمم وقيمها. وثالثًا: التسامح كفلسفة حكم جعل من عُمان واحة للتعايش، مرجعها في ذلك الدين الحنيف الذي يدعو للمودة والرحمة.
وعندما تسلم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- مقاليد الحكم، أكد أن هذا النهج هو هوية وطنية ثابتة؛ فانتقل جلالته -أبقاه الله- بالرسالة العُمانية إلى مرحلة النموذج الملهم، داعيًا إلى تأصيل المبادئ الأصيلة، والتأكيد على أن التطور والنمو الاقتصادي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على الهوية الأخلاقية والدينية، مع الدعوة للوحدة القيمية عبر رؤية عُمان لدول الخليج؛ حيث إنها تطمح إلى وحدة أخلاقية تستند إلى الدين الحنيف والمروءة العربية؛ لتكون منطقة الخليج نموذجًا عالميًا في الرقي السلوكي والسياسي.
إن سلطنة عُمان تريد للأشقاء في الخليج أن يستلهموا من إرثهم المشترك تلك القيم الأصيلة التي تجعل من الحوار منهجًا، ومن السلام غاية، ومن الأخلاق مرجعًا في كل قرار؛ فهي تؤمن أن تحلي دول المنطقة بهذه الأخلاقيات هو الضمان الوحيد لاستقرار يدوم، وازدهار يبارك فيه المولى عز وجل، وتتقبله النفوس الطيبة.
ستظل سلطنة عُمان، بفضل حكمة سلاطينها واتزان شعبها، منارةً تُضيء دروب التائهين في دهاليز السياسة، متمسكةً بحبل المبادئ الذي لا ينقطع، وداعيةً دومًا إلى "كلمة سواء" قوامها الدين، والمنطق، والأخلاق الرفيعة.
