انعكاسات الحرب على الإنسان الخليجي

 

 

 

د. صالح بن ناصر بن محمد القاسمي

 

لا حديث حاليًا يعلو على حديث الحرب الدائرة في المنطقة، التي تلقي بظلالها على كل المستويات، ومن خلال متابعتي اليومية، المتواضعة، للأحداث وما تحمله وسائل الإعلام من تحليلات، لاحظت أن الجميع، دون استثناء، ركز على الآثار الاقتصادية الناتجة عن الحرب، وهناك من اهتم بتحليل موازين القوة العسكرية لأطراف الصراع، كل ذلك أمر طبيعي في ظل الظروف المحيطة بأوضاع المنطقة الجيوسياسية وأهميتها للاقتصاد العالمي، وليس الإقليمي فقط.

هناك وجه آخر لأثر هذه الحرب لم يتحدث عنه أحد، ولم يتناوله المراقبون والمحللون، حتى بالإشارة إليه، بالرغم من أهميته البالغة، وهو تأثير هذه الحرب وانعكاساتها على المورد البشري أهم الموارد الوطنية للدول، وخاصة دول الخليج العربية.

إن أهم مقومات الاقتصاد هو العنصر البشري؛ بل هو الحجر الأساسي للاقتصاد، لذلك دائمًا أُفضِّل أن أُطلق عليه مصطلح (الاقتصاد البشري)؛ فالثروة الحقيقية للأوطان هي عنصرها البشري الذي يقوم بكل العمليات، من تخطيط وتنفيذ وبناء وتطوير وحماية.

التجارب على الواقع أثبتت أن العنصر البشري هو أهم مورد في منظومة الإنتاج، فكم من الدول التي لا تمتلك موارد طبيعية استطاعت، بفضل تميز عنصرها البشري، أن تكون في مقدمة الدول المتقدمة صناعيًا وعسكريًا.

وعودة لمحور حديثنا، ألا وهو الآثار المنعكسة على العنصر البشري من جراء الحرب الدائرة حاليًا، نجد أن هناك تأثيرًا مباشرًا على العنصر البشري، بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي، وسنقف هنا على بعض النقاط.

لم يعتد أبناء الخليج على معايشة واقع مثل الذي يعيشونه حاليًا، باستثناء بعض الفترات، والتي بلا شك ليست بمثل هذه الواقعة، والتي تصادف وقوعها في عصر التطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك التطور التقني لوسائل الإعلام.

كل ذلك الزخم الإعلامي أحدث شبه انقلاب في الفكر لدى الإنسان بين وعي غير منضبط ممزوجًا بخوف من المستقبل وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، وفي ظل تلك المخاوف برزت التوجهات الحقيقية لدى الكثيرين، والتي كانت تنتظر المحفز الذي لا يستطيع معه إخفاء ما يعتقده ويؤمن به.

وفي ظل ما تبثه أطراف الصراع من شائعات، وما تنشره من أخبار موجهة إلى الرأي العام المحلي والعالمي بهدف كسب الولاءات، انعكس كل ذلك على فكر الإنسان الخليجي -محل الحديث- حيث أصبح الجميع تقريبًا محللًا، ومؤيدًا لطرف، ومعارضًا لآخر، وناصحًا؛ بل ومحرضًا في أحيان كثيرة.

لقد أصبح يُقال علنًا ما كان يُعتبر من المحظورات، إما عن اقتناع بعد إعمال الفكر، وإما تعصبًا لطائفة أو مذهب معين، وهذا هو الغالب في أحيان كثيرة، لدرجة أصبح التلاسُن بين الأشقاء أمرًا ملحوظًا، تجاوز في الغالب حدود اللياقة والسمت الاجتماعي الذي عُرف به أهل هذه البقعة الجغرافية.

المجتمعات الخليجية، بصفة عامة، مكونة من نسيج اجتماعي متنوع الإثنية ومتعدد المذهبية، لكنه نسيج متعايش متسامح يخلو من التعصبات بأشكالها المختلفة، لا يعكر صفوه ما يدعو إلى قلق دوله، إلا ما ندر من أحداث عارضة سرعان ما تلاشت. لكن ما شاهدناه خلال هذه الأحداث أمر لم نعتد عليه، وصل إلى حد التطرف الفكري، بل تجاوزه أحيانًا لدرجة التشكيك في العقائد. والأدهى والأمر والأخطر أن يخرج البعض عن النهج السياسي الذي ينتهجه وطنه، متجاوزًا الكثير من الثوابت والقيم الأساسية للمجتمع الذي يعيش فيه.

هذا التحول السريع في الوعي السلبي لدى الإنسان، وتشدده في الآراء والحكم على الأشياء، يستدعي معه الوقوف بكل جدية لمعرفة دوافعه وأسبابه، والعمل على تصحيح المسار في أسرع وقت ممكن قبل أن يتعقد المشهد أكثر مما هو عليه الآن.

على النخب الفكرية في الوطن الخليجي أن يتحملوا المسؤولية بجانب الحكومات، وأن يعملوا على توحيد المواقف وإزالة التشنجات بين أبناء الخليج، وألا يسمحوا للطامعين في بلداننا بتحقيق مآربهم من خلال زرع بذور الفتنة والشقاق بين أبناء الخليج.

وفي المقابل، على الحكومات العمل على تعزيز مبدأ المواطنة الذي يرتكز على العدالة الاجتماعية والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، وعليها أن تدرك أن الفضاء الذي نعيش فيه يتطلب اليقظة التامة لما يحمله من مهددات وأطماع في ثرواتنا ومدخراتنا، والإدراك أيضًا بأن إنسان هذا الوقت يختلف تمامًا عن ذلك الإنسان البسيط، لذلك عليها أن تشتغل على بناء الإنسان الذي يُعتبر الثروة الحقيقية لبقاء الأوطان.

وفي الختام، وجب التأكيد على أن الخليج أسرة واحدة، وإن تعددت مسميات دولهم، ومصير مشترك وإن اختلفت آراؤهم، لذا على الحكومات التنسيق فيما بينها لمنع الانزلاق الأخلاقي بين أبنائهم، وأن يضربوا بيدٍ من حديد كل من يحاول بذر الشقاق بين أسرة الخليج العربي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z