د. علي بن سعيد الريامي **
ليست خسارة العلماء مما يُقاس بميزان الأفراد، ولا مما يُدرج في سجل الوفيات بوصفه خبرًا عابرًا، لأن العالم حين يرحل لا يغيب شخصه وحده، بل تنطفئ برحيله مساحة من النور، ويخفت صوت من أصوات الحكمة، وتنطوي صفحة من صفحات الذاكرة الحية التي كانت تمشي بين الناس هديًا وخلقًا وعلمًا. ومن هنا يأتي رحيل الشيخ المربي الجليل عبدالله بن سيف الكندي رحمه الله، بوصفه مصابًا يتجاوز حدود الفقد الشخصي، ليغدو خسارة في المعنى الأوسع: خسارة للمجتمع، وللسيرة العلمية، وللتربية التي تصنع الرجال في صمت، وتغرس أثرها في النفوس بتواضع.
تودّع ولاية نخل واحدًا من رجالاتها هو الشيخ العالم والفقيه والمربي الشيخ عبدالله بن سيف الكندي، ونخل برحيله لا تودع عالمًا ومربيًا فحسب، بل تودّع نموذجًا من ذلك الجيل الذي تشكل على مكابدة الطلب، وصبر التحصيل، وشرف الرسالة، فخرج إلى الناس بعلم يتهذب بالأدب، وخلق يترفع عن الصخب، وحضور يفرض الاحترام دون طلب.

وُلد الفقيد في مدينة نزوى بمحلة الردة سنة 1352هـ الموافق 1934م، ثم عاد إلى موطن آبائه في ولاية نخل بمحلة الغريض، وهناك بدأت رحلته مع التكوين الأول، في بيئة كانت ترى في العلم قيمة عظمى، وفي التأديب قبل التعليم أساسًا لا غنى عنه. ولمَّا سافر والده، أوكل مهمة تعليمه والاعتناء به إلى الشيخ سليمان بن علي الكندي، فتلقى عنه القرآن الكريم، وتعلم النحو والخط، ثم أخذ يشد الرحال إلى نزوى، ليرتوي من مجالس العلم، ويدرس على الشيخ سليمان بن سالم الكندي في مسجد مخلد، في صورة مبكرة لتلك الشخصية التي لن تكتفي من المعرفة بطرف، ولن ترضى من العلم إلا بأصله ومشقته وبركته.
ثم كانت الخطوة الأعمق في مساره العلمي، حين طلب منه شيخه، وهو في السادسة عشرة من عمره، أن يلازم مجلس الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي رحمه الله، عندما كان واليًا وقاضيًا بولاية نخل، فدرس على يديه اللغة العربية، وتفتحت له آفاق الفهم والنظر، وبعدها انتقل إلى مسقط، ليتصل بعلمين جليلين من أعلام عُمان، هما الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري -رحمه الله- مفتي سلطنة عُمان السابق، والعلامة هاشم بن عيسى الطيواني -رحمه الله، فدرس على أيديهما كتبًا مهمة في الفقه وأصوله، منها طلعة الشمس وجوهر النظام، وهكذا نمت شخصيته العلمية وتشكلت ملامح شخصيته في كنف العلماء والتحصيل العلمي الجاد، لا على العجل، ولا على شهرة الأسماء، بل على سكينة الملازمة، وتدرج الطلب، والارتباط الحقيقي بالسند العلمي وأهله.
على أن القيمة الكبرى في سيرة الشيخ الراحل لا تكمن فقط في أسماء من أخذ عنهم، ولا في الكتب التي قرأها، بل في الطريقة التي استحال بها العلم في حياته إلى رسالة؛ فقد التحق بالدراسة في المدرسة السعيدية، ثم عُيّن عام 1374هـ / 1954م معلمًا فيها، قبل أن ينتقل إلى مدرسة الخليل بن شاذان عند افتتاحها سنة 1973م معلمًا للتربية الإسلامية، ثم موجهًا بمدارس جنوب الباطنة عام 1978م، وتلك ليست مجرد محطات وظيفية في سيرة رجل، بل هي طبقات متعاقبة من العطاء، انتقل فيها من التعلم إلى التعليم، ومن أداء الواجب إلى صناعة الأثر، ومن نقل المعلومة إلى بناء الإنسان.
كان الشيخ عبد الله الكندي، على ما يرويه عنه من عرفوه: لم يكن معلمًا يكتفي بشرح الدرس، بل مربّيًا يوقظ المعنى، ويغرس في النفوس احترام العلم، ويمنح المعرفة بُعدها الأخلاقي، فلا تنفصل المعلومة عنده عن الأدب، ولا العبارة عن القدوة، ولا التعليم عن بناء الضمير، ولهذا تبقى أمثال هذه الشخصيات أطول عمرًا في ذاكرة المجتمع.
ولعل من أبلغ ما يكشف عن معدن الرجل العلمي والأخلاقي، ما رُوي عنه من شغفه المبكر بالتاريخ والسير، حتى إنه كتب في سن الثامنة عشرة سيرة مطولة تبدأ من خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى زمن بني أمية. غير أن الأهم من فعل الكتابة نفسه، ذلك الترفع الذي حمله على التوقف عن الخوض في بعض ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، وتمزيق ما كتب، اقتداءً بعمر بن عبدالعزيز، مع إبقاء سيرة أبي بكر الصديق وحدها. في هذه الواقعة الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في دلالتها، تتجلى سمة العلماء الحقيقيين: ليس العلم عندهم جرأة على كل باب، بل هو كذلك معرفة بما ينبغي أن يُقال، وما ينبغي أن يُمسك عنه، وما يورث الأمة سكينة لا فتنة، وبصيرة لا خصومة.
ترك الشيخ الراحل عددًا من المؤلفات، منها: رسالة مختصرة في الوحدة الإسلامية وعواملها، وعقود العقيان في ذكر شيء من مباحث القرآن، والتحديث في علوم الحديث، وسبيل الرشاد إلى فقه عدة الوفاة والحداد، والإصابة في الصكوك والكتابة، وهذه العناوين، على تنوعها، تكشف عن عالم لم يكن محصورًا في زاوية ضيقة من المعرفة، بل كان وثيق الصلة بقضايا الدين والعلم والمجتمع، مدفوعًا بهاجس النفع، لا بهاجس الظهور، ومقبلًا على التأليف بروح المعلم الذي يكتب ليقرّب ويهدي ويرشد.
غير أن الكتب، على أهميتها، لا تحيط بكل شيء في سيرة الشيخ الكندي؛ فهناك جانب آخر لا تلتقطه الفهارس، لكنه يبقى أرسخ من الورق، وهو جانب الخلق والسمت والأثر الاجتماعي. فقد عُرف الشيخ عبدالله الكندي بتواضعه، وزهده، وبساطته، وبشاشته، وذلك الصنف من الناس لا يحتاج إلى كثير تعريف، لأن أثره يسبقه إلى القلوب.. كان من أولئك الذين يجلّهم الناس محبة، ويجلّونهم قربًا لا تكلّفًا، ويشعرون في حضرتهم أن العلم ما يزال قادرًا على أن يكون رحيمًا، وأن الوقار لا يناقض اللطف، وأن المكانة الحقيقية لا تحتاج إلى ادعاء.
إن المجتمعات لا يضعفها فقط فقد الثروة أو المنصب أو الجاه، بل يضعفها، على نحو أعمق وأخطر، تراجع النماذج التي كانت تمثل ضميرها الحي. والعلماء المربون هم، في جوهر الأمر، حراس المعنى في حياة الناس؛ بهم تبقى صلة المجتمع بقيمه، وبهم تتوارث الأجيال شيئًا من السكينة والاتزان، وبهم يستمر الوعي بأن العلم ليس حشدًا للمعلومات، بل تهذيبٌ للنفس، وتقويمٌ للذوق، وارتقاءٌ بالإنسان. من هنا، فإن رحيل الشيخ عبدالله بن سيف الكندي ليس مناسبة للحزن وحده، بل مناسبة للتأمل أيضًا: ماذا يعني أن يرحل رجل أفنى عمره في العلم والتربية؟ وماذا يعني أن نفقد واحدًا من أولئك الذين بنوا أثرهم بصمت، وتركوا في الناس من الخير أكثر مما تركوا في الأوراق؟
لقد صدق الأثر المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه ": موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار". وليس معنى ذلك أن العلم يموت برحيل أهله، ولكنه يعني أن بعض الرجال يكونون، بما جمعوه من فضل وسمت وتجربة، مواضع سدّ في مجتمعاتهم، فإذا رحلوا بدا الفراغ كبيرًا، لا لأنهم كانوا كثيري الكلام، بل لأنهم كانوا عميقي الأثر، وهذا ما ينطبق على الشيخ عبدالله الكندي رحمه الله: رجل من أولئك الذين لا تضج بهم المجالس، لكن غيابهم يجعل المكان أقل دفئًا، والذاكرة أكثر وجعًا، والحديث عن الزمن الجميل أكثر مرارة وحنينًا.
وإذا كان الموت حقًا لا مرد له، فإن من عدل الله في عباده أن يجعل لبعض الأرواح امتدادًا بعد الرحيل؛ في علم نافع، أو تلميذ صالح، أو دعوة صادقة، أو سيرة حسنة تسري بين الناس كما يسري الطيب الخفي. وهكذا يبقى عزاء نخل، وعزاء محبيه، أن الشيخ عبدالله بن سيف الكندي لم يكن عابرًا في حياة من عرفه، بل كان أثرًا ممتدًا، وصورة من صور الوقار العماني الأصيل، وأن أمثال هؤلاء لا تنتهي حياتهم تمامًا ما دامت فضائلهم حيّة في النفوس، وما دام من تتلمذوا على أيديهم يحملون شيئًا من نورهم إلى من بعدهم.
رحم الله شيخنا الجليل رحمة واسعة، وجزاه عن العلم والتعليم والإصلاح خير الجزاء، وأسكنه فسيح الجنان، وألهم أهله وذويه وتلامذته ومريديه جميل الصب وحسن العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
** أكاديمي بجامعة السلطان قابوس
