محمد أنور اللواتي **
لم تعد تداعيات الحرب الأمريكيّة-الإسرائيليّة على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، محصورةً في نطاقها الجغرافي؛ بل امتدّت إلى قلب الاقتصاد العالمي. وفي الوقت الذي كانت التوقعات تُشير إلى نمو اقتصادي عالمي متواضع، جاءت هذه الحرب لتعيد رسم المشهد الاقتصادي العالمي لسنين قادمة، مخفّضة توقعات النمو الاقتصادي العالمي، ومشعلة موجات تضخمية متتالية، فضلًا عن الركود الذي بات يلقي بظلاله في الأفق.
يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي؛ إذ يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالميّة، بما يقرب من 20 مليون برميل يوميًا. ومع اندلاع الحرب على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية، وما تلاها من تداعيات على مضيق هرمز؛ حيث تحوّل هذا الممر الحيوي إلى ساحة صراع ومن ثم تم إغلاقه؛ كونه منطقة حرب مفروضة على إيران مما تسبب في أسوأ أزمة إمدادات نفطية. وحتى إذا لم تغلق إيران مضيق هرمز مادّيًا، إلا أن قلة قليلة من السفن أو شركات التّأمين لديها الجرأة الكافية للإبحار عبره.
في محاولة احتواء الأزمة، سارعت وكالة الطاقة الدولية إلى ضخّ نحو 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية لأعضائها، كما خفّضت الولايات المتحدة الأمريكيّة احتياطياتها الاستراتيجية بمقدار 86 مليون برميل، بمعدل تدفق يتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل يوميًا. كما أن الأنابيب السعودية والإماراتية لديها قدرة محدودة لتجاوز هذا الممر. ومع كل ذلك، يبقى السوق فاقدًا بين 8 إلى 10 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج غير المعوّض. هذا النقص الحادّ في النفط انعكس على الأسعار، إذ قفزت بأكثر من 50%، مصحوبة بارتفاعات في تكاليف الشحن والتّأمين البحري. ولم تتوقف الأزمة عند حدود الإنتاج؛ بل امتدت إلى البنية التحتية للتكرير والنقل؛ حيث خرج أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا من القدرة التكريرية نتيجة الهجمات وصعوبة التّصدير.
كما تلقّى الغاز الطبيعي المسال، الذي بات يشكل ركيزةً أساسيةً في أمن الطاقة العالمي، ضربة مباشرة نتيجة تعطّل نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما يمثل نحو خُمس التجارة العالميّة. وتُموِّن دول الخليج أسواقًا رئيسيّة في أوروبا وآسيا، ما جعل هذه الدول تواجه الأزمة منذ اللحظة الأولى.
لا ينقل مضيق هرمز الطاقة فحسب؛ بل يشكل ممرًا حيويًّا لسلع مرتبطة بالأمن الغذائي والصناعي العالمي. فيمرّ عبر المضيق نحو 30% من تجارة اليوريا، و20% من الأمونيا والفوسفات، إلى جانب ما يقارب نصف تجارة الكبريت، مما يحوّل أي تعطيل في المضيق إلى ضغط مباشر على أسعارا الغذاء والأسمدة. وقد طالت التداعيات أيضًا قطاع الألمنيوم لاعتماده الكثيف على الغاز، إضافة إلى وقف الإمدادات القادمة من دول الخليج وتضرر بعضها، والتي تمثل نحو 8% من الإمدادات العالميّة.
ولا شكَّ أن استمرار الحرب أو تصاعدها سيزيد الوضع تعقيدًا، وسيعيد تشكيل ملامح النظام الاقتصادي العالمي لعقود قادمة. بيد أن انتهاء الحرب وحده لن يكون كافيًا لاستعادة ما كان؛ فحتى في حال وقف الحرب وعودة الملاحة في مضيق هرمز، فإن إعادة تشغيل حقول النفط والغاز المتضررة، وضخّ الإمدادات إلى المصافي، واستعادة ثقة شركات التّأمين والشحن، كل ذلك يستلزم وقتًا طويلًا.
ما يشهده العالم اليوم يمثّل أعنف اضطراب تشهده أسواق النفط العالميّة في التاريخ، متجاوزًا في حدّته أزمة الحظر النفطي العربي عام 1973، وأزمة النفط بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وأزمة الخليج عام 1990، وأزمة الحرب الروسيّة الأوكرانية عام 2022. ويرفع ذلك من احتمالية انزلاق الاقتصاد العالمي إلى حالة الركود التضخمي؛ حيث يتزامن التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو وارتفاع البطالة، وهي معادلة شديدة التعقيد على صانعي السياسات الاقتصادية.
وتتباين قدرة الاقتصادات الكبرى على استيعاب الصدمة؛ فالولايات المتحدة الأمريكيّة -رغم وفرتها الإنتاجية- تظلّ عرضة لارتفاع الأسعار داخليًا وما يترتب عليه من ضغط على المستهلك وتهديد للاستقرار الاقتصادي، وإن كانت شركاتها النفطية والغازية ومصافيها تجني ثمار هذا الارتفاع. ومن المفارقات أن واشنطن لجأت إلى تخفيف القيود على النفط الإيراني العائم سعيًا لتخفيف ارتفاع الأسعار وشح الإمدادات. أما أوربا فهي الأكثر اعتمادًا على استيراد الطاقة، فتواجه هشاشة هيكلية متراكمة منذ تداعيات الحرب الروسيّة-الأوكرانية. وفي المقابل، تتمتّع الصين بقدرة أكبر على امتصاص الصدمة بفضل مخزوناتها النفطية الاستراتيجية الضخمة، وإن كانت لن تبقى بمنأى عن تداعيات اضطراب الإمدادات لفترة طويلة. أما روسيا، فتبرز كأحد المستفيدين بسبب ارتفاع صادراتها النفطية مدفوعة بالأسعار المرتفعة وتخفيف بعض العقوبات الأمريكيّة.
وتقف دول الخليج في قلب هذه الأزمة نتيجة لتعطل الإنتاج وتراجع القدرة التصديرية بسبب تقييد الملاحة في مضيق هرمز، وتأثر بعض العمليات نتيجة للاستهدافات المباشرة. كما امتدت التداعيات في دول الخليج إلى قطاعات الخدمات جراء تراجع الثقة الإقليمية. فلا شك بأن المنطقة تعتبر أحد أكثر المناطق تضررًا من الأزمة. إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخسائر الآنية فقط؛ بل في الأثر طويل الأجل على ثقة المستثمرين ومكانة المنطقة في التجارة الدولية، فالتاريخ يظهر أن استعادة هذه الثقة تستغرق سنوات بعد توقف الخطر.
ولقد أسهمت المبادئ الراسخة للدولة العُمانية بعدم السماح باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية لضرب دول الجوار، واحتواء جميع دول الجوار عملًا بمبدأ "الجار باقٍ والغريب إلى زوال" إلى حماية السلطنة نسبيًا من التداعيات المباشرة للحرب. كما واصلت الدبلوماسية العُمانية مساعي وقف العدوان الأمريكيّ-الإسرائيلي على إيران، رغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط.
بيد أن هذه الأزمة رغم ما تحمله من أخطار وتحديات اقتصادية، تفتح المجال لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي الوطني، خصوصًا لتهيئة أنفسنا لمختلف السيناريوهات في عالم يسوده اللايقين. وتكشف هذه الحرب بوضوح أن الاعتماد على العائدات الريعية، دون بناء منظومة متكاملة للأمن الاقتصادي، لم يعد كافيًا في عالم تتزايد فيه الصدمات غير المتوقعة. وتبقى العدالة الاجتماعية والتوزيع المتوازن للثروة ركيزتين أساسيتين لأي نموذج تنموي، فالتقدم الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون محورية العدالة في ذات الوقت.
وتبرز الحرب الحاجة الماسة إلى تحقيق استقلال اقتصادي يتجاوز الارتهان للمنظومة الغربية؛ فالاستقلال الاقتصادي مرتبط بحد كبير بالاستقلال السياسي؛ فلا يتأتى الاستقلال السياسي من دون تمتين الركائز الاقتصادية وتنويع الارتباطات بالاقتصادات العالميّة، وتقليل الاعتماد على المنظومة الغربية. وقد خطت السلطنة خطوات أولى في هذا الاتجاه، مثل المبادرات المرتبطة بالسيادة على المعاملات المالية كبطاقة الدفع الوطنية العُمانية "مال" كبديل محلي آمن للبطاقات الأجنبية.
ومن أبرز تجليات الاستقلال الاقتصادي إعادة النظر في ربط الريال العُماني بالدولار الأمريكي، خاصةً في ظل التحوّل المتسارع نحو آسيا كمركز ثقل اقتصادي عالمي، وكون دولها المستورد الرئيس للنفط العُماني. ولعلّ ربط الريال العُماني بسلة من العملات تعكس واقع العلاقات التجارية للسلطنة يشكل خيارًا جديرًا بالدراسة الجادة، خصوصًا مع تقليل الاعتماد على النفط في الاقتصاد الوطني، وكون النفط يتم شراؤه من الدول الآسيوية. كما يمكن تنسيق السياسة النقدية مع بقية دول مجلس التعاون.
كما رسخَّت السلطنة موقعها وسيطًا موثوقًا في أوقات الأزمات، ودولة مستقلة سياسيًا واقتصاديًا. هذا الرصيد يمكن توظيفه في تحويل مسقط إلى مركز قانوني ومالي دولي. ولا شك أن السلطنة بدأت في هذا الاتجاه من خلال المرسوم السلطاني القاضي بإنشاء مركز عُمان المالي العالمي. وتكتسب الجغرافيا الاقتصادية للسلطنة في هذا السياق أهمية مضاعفة؛ فموانئ صحار والدقم وصلالة تقع خارج مضيق هرمز، وتمتلك البنية التحتية التي تؤهلها للتحوّل إلى مراكز لوجستية محورية عالميًا في عالم يعيد تشكيل مساراته التجارية.
وفي نفس السياق، يغدو التعاون الاقتصادي مع دول الجوار ضرورة استراتيجية لا خيارًا، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والدفاع والأمن الغذائي والمائي. ويستوجب هذا التكامل أن يتوسع ليشمل كافة دول الجوار بما فيها إيران واليمن والعراق، انطلاقًا من الحقيقة الراسخة بأن الاستقرار الاقتصادي الإقليمي لا ينفصل عن الاستقرار السياسي الإقليمي. أحد أوجه هذا التعاون تبرز في التعاون مع إيران في ترتيبات جديدة لإدارة مضيق هرمز تعود بعائد ماديّ على السلطنة، وإن استلزم ذلك مراجعة موقف السلطنة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو من إيجاد مخارج قانونية مرتبطة بخدمات معينة.
وتبرز الحاجة كذلك إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو بناء المعرفة وتصديرها للخارج؛ فالسلطنة حباها الله بكوادر بشرية متميّزة يجب استغلالها والاهتمام بها. كما تبرز أهمية الاهتمام بالاستثمار في الصناعات الدفاعية والمجالات التقنية، إضافة إلى تسريع العمل في استثمارات متصلة بالأمن الغذائي والمائي. وفي قطاع التعدين تحديدًا، باتت الضرورة مُلحّة لتفعيل الاستثمارات الرامية إلى إنتاج مواد أساسية في سلاسل الإمداد العالميّة، إذ غدا تأمين المعادن والمواد الحيوية أولويةً استراتيجية متصاعدة.
إنَّ ما نشهده اليوم من تحوّلات عنيفة في النظام الاقتصادي العالمي، يشبه في عمقه التحوّلات التي أعقبت اتفاقية "بريتون وودز" ونهاية معيار الذهب، وهي مرحلة تتطلب منا يقظة استثنائية وقدرة على التكيف مع واقع جديد يختلف جوهريًا عن الحقبة السابقة من العولمة والانفتاح. والسؤال الأهم الذي يظلّ معلّقًا: هل نحن قادرون على بناء منظومة اقتصادية مستقلة، مرتكزة على المعرفة وحسن التقدير والتخطيط الاستراتيجي؟
** كاتب في الشأن الاقتصادي
