حمد الناصري
تظل الجغرافيا ثابتة، لا يمكن تغييرها وطمس حقيقتها التاريخية، وسوف تكشف لك الأيام ما قد تم تغطيته؛ فالاستقرار الإقليمي في منطقتنا "الخليج العربي" لم يُوظَّف بأسلوب دبلوماسي خدمةً لتوازن فعّال من أجل شعوب المنطقة، وحماية مصالحنا في خليجنا العربي وجزيرتنا العربية تحقيقًا للعدالة الاجتماعية.
ما يحدث من النزاعات الإقليمية يُعيدنا لسيرتنا الأولى، وإلى حالةٍ من الصراعات التاريخية، فإذا ما أردنا التوازن في المنطقة وتعزيز الأمن الخليجي وعدم تصعيد الأحداث في المنطقة وتجنب الانزلاق في حرب ليست حربنا، ولْنتخذ فورًا بطانةً من أعداء إيران أو من أصدقائنا أو حلفائنا ليخدمونا، حتى وإن كانت ثقافتهم وعاداتهم مغايرة لثقافتنا وعاداتنا، فلن يؤثر ذلك علينا، طالما هدفنا تفادي المشاكل والتركيز على سحق من يؤذينا، حتى لا يستمر استكبارها علينا ويصبح وبالًا وحسرةً وندمًا، فكسر شوكتها من الداخل والخارج صار ضروريًا.
لقد أيقظت الدبلوماسية العُمانية العقول الخليجية، بوقفتها وثباتها، وقالت: لا للحرب في الخليج. لسنا مع المعتدي، ولا ضد المعتدى عليه؛ فالمعتدي خصم للإنسانية كلها. هكذا تقول سلطنة عُمان، وترتأي أن لغة الحوار طريق للتعايش، وتسعى دائمًا للصلح بين الخصوم، هكذا هي الدبلوماسية العُمانية في ظل قيادتها الحكيمة، ومواقف السلطنة ثابتة، فقد رفضت ضرب إيران، وقالت: لن نكون طرفًا في هذه الحرب، ولن تنجر وراء حرب نكون فيها بالإنابة أو بالوكالة عن أحد.
اليهود عدو تاريخي للعرب والمسلمين، وصراعها طويل مع أمتنا العربية، وتاريخها وعداؤها للإسلام عامةً والعرب خاصةً معقد ومدون، منذ عهد النبوة الشريفة ونحن نخوض معها حروبًا دامية، فقد شكّلت تحالفات واسعة مع أمريكا وأعداء الإسلام، ورفعت تهديدها إلى أقصى تصنيف، وتبيّن لنا جميعًا تطرفها الصهيوني، وكم نصحت عُمان أمريكا بعدم الانزلاق في حرب لا ناقة لها ولا جمل، وحذّرت أن إسرائيل تجر أمريكا إلى صراعات خارجية وتقودها إلى مخاطر كبيرة ستصيب المنطقة، وتحدثت صحف عُمان كثيرًا بحياد إيجابي، وقالت: يجب على أمريكا ألّا تتورط في هذه الحرب.
والحرب مع إيران سوف تُثير ضجيجًا كبيرًا، وستجد أمريكا معارضة في مجتمعها، فالشعب الأمريكي لن يقبل أن تتورط بلاده في هذه الحرب التي ليست حربه، وإن وُجدت هنالك معارضة حتمية في أمريكا، فإن مغامرة نتنياهو لن تسكتها، وسوف تشتد عواصف الحرب، فلن تأتي بخير لأمريكا، وستنتصر إيران.
على أمريكا ألّا تستنزف مقدراتها المالية والبشرية، وألّا تنهك اقتصادها، فكلما تدنّى الاقتصاد، وضعفت طاقتها، واستنزفت عوائدها المخزنة، وانخفضت مدخراتها، كلما كان ذلك تهديدًا مباشرًا لاستقرارها وكيانها. والصهاينة حقيقتهم لا تُغطى بغربال، ومشروعهم مكشوف للعالم أجمع، المعلن منه وغير المعلن، والذين يُجمّلون صورتها يُخفون ممارسات استعمارهم وأهدافهم التوسعية، سعيًا نحو نفوذ أوسع، ونشر أيديولوجيا عسكرية أو نفوذ سياسي عبر خطابات التضليل وتشويه الحقائق، وتصوير الاعتداءات كأفعال شيطنة لتبرير العنف في أبشع صور انتهاكات زائفة والسيطرة على الأرض والموارد.
إن تاريخ الصهاينة مليء بالخيانة والغدر، ولا يوجد أكبر من شاهد نبي الله موسى عليه السلام، فقد عصوه وغدروا به وتمردوا عليه في أكثر من موقف، رغم ما رأوا من معجزات إلهية تجلت لهم، ورغم ذلك وصل بهم الجحود أن عبدوا العجل، ورفضوا دخول الأرض المقدسة، فعاقبهم رب العزة والجلال بالتيه أربعين سنة لخيانتهم العهود والمواثيق.
إن تاريخ اليهود تأريخ سيئ في أغلب حالاته، وقد قرأنا جميعًا أن يهوذا خان المسيح عليه السلام، فقد سرق من صندوق المال الذي وكّله به المسيح، سيدنا عيسى عليه السلام. وفي نبوءات نبي الله زكريا في الإصحاح 11، قصة الثلاثين قطعة من الفضة التي دُفعت أجرةً مقابل خيانة الراعي الحقيقي، والتي أُلقيت في النهاية في "بيت الرب" (الهيكل). كان ذلك فعلًا مشينًا من الراعي الحقيقي، يهوذا، الذي وثق به سيدنا المسيح عليه السلام، ولكن كما يُقال: اللص يبقى لصًا؛ كذلك تُعتبر خيانة يهوذا للسيد المسيح أول خيانة، وكان بطلها يهوذا الإسخريوطي.
وإن رجعنا إلى الثورة الأمريكية الحديثة وما أحدثه "أرند بندكيت" في 1775- 1783، برغم ما حققته الثورة من انتصارات، فقد تحوّل إلى أشهر خائن في تاريخ أمريكا، عندما انشق لصالح البريطانيين وسلّم حصن "ويست بوينت" عام 1780 مقابل المال والرتبة العسكرية، وانشق عن الجيش الأمريكي لصالح الجيش البريطاني.
خلاصة القول.. إن الحرب بين أمريكا وإيران فتحت الباب على مصراعيه لمواجهات مباشرة بين أمريكا وإيران، وبدت الحرب أكثر تعقيدًا في منطقتنا، وتداعت السياقات الإقليمية إلى تعقيدات وحسابات غير متوقعة، وبدت لنا سيناريوهات إقليمية ودولية استقطبت خطابات تزيد من احتمالية انزلاق المنطقة إلى واقع ضبابي، وخلق محن معقدة في إقليمنا الخليجي، وفتحت باب المقاطعة الاقتصادية، ولربما تقود هذه الأزمات إلى حرب عالمية جديدة، كما ترى بعض الآراء والتحليلات السياسية.
