حرب ترامب الخاسرة

حاتم الطائي
 

◄ ترامب أذعن لإملاءات نتنياهو وشن حربًا غير قانونية وغير أخلاقية على إيران

◄ ترامب الخاسر في حربه العدوانية كان يظن أنها "نُزهة عسكرية"

◄ 510 مليارات دولار تكلفة الحرب على الولايات المتحدة حتى الآن

أصبح من الشائع في التحليل السياسي القول إنَّ الولايات المتحدة لا تنتصر أبدًا في حربٍ تُشنُّها على دولة أخرى، ليس فقط لأنها حربٌ عدوانيةٌ ظالمةٌ تستهدف نهب مقدرات الأوطان أو فرض الهيمنة والنفوذ في إقليمٍ ما، لكنْ لأنَّ العقيدة العسكرية الأمريكية في مثل هذه الحروب لا تستهدف مُطلقًا "حماية الأمن القومي الأمريكي" ولا "صد عدوان خارجي" ولا "الذود عن الحدود والسيادة"، وإنما تتشكل عقيدة أخرى؛ وهي عقيدة "قانون الغاب"؛ حيث تستغل واشنطن قوتها العسكرية في البطش بخصومها لدفعهم للاستسلام والإذعان للمطالب الأمريكية.

غير أن الخطأ المُتكرر في حروب أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أنها حروب خاسرة، انطلقت من أرضية هشّة، وافترضت وجود خصم ضعيف أو قابل للسقوط سريعًا، لكنَّ الحقيقة المُرّة التي تستيقظ عليها الولايات المتحدة في كل حرب، تقول إنَّ المُدافع عن وطنه وأرضه لا يُمكن أن يستسلم حتى ولو دمَّرت أمريكا مقدراته وأصوله وقواعده وجيشه.

هذا المشهد المُتكرِّر نراه جليًا في الحرب الصهيو-أمريكية على إيران؛ حيث خضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإملاءات مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وأذعن لكل ضغوطه من أجل ضرب إيران، وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية، لا تُخطئها عينٌ. نتنياهو الذي تكبد أكبر خسارة في عدوانه الآثم على غزة الجريحة ثم انهزامه المُذل أمام الضربات الإيرانية في حرب الاثني عشر يومًا، وما لاقاه من قصف صاروخي عنيف من محور المقاومة في كلٍ من لبنان واليمن والعراق، دفعه غروره وعجزه- في الوقت ذاته- إلى التخطيط مع ترامب لضرب إيران، ليتفاجأ بعدها أنه يحارب خصمًا عنيدًا قويًا لا يستسلم. خصمٌ أثبت أنه يتمتع بقدر عالٍ من الذكاء السياسي والعسكري، ويملك من الخطط البديلة ما يساعده على تجاوز سياسية الاغتيالات، حتى مع اغتيال المرشد الأعلى نفسه، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا لملء الفراغ السياسي والدستوري، وأنَّ إيران- التي بدا أنها قد تتعرض لتهديد وجودي- هي التي باتت تُهدد أعداءها، وهي التي تُكبدهم الخسائر المتتالية، وأن الزعم الصهيو-أمريكي بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية ليس سوى محض أوهام وتقارير مخابراتية غير دقيقة، وليس أدل على ذلك من الصواريخ والمسيرات التي تسقط على مدن الاحتلال الإسرائيلي وكذلك على أهداف عسكرية أمريكية في المنطقة، برًا وبحرًا وجوًا. ويكفي أن سلاح الجو الأمريكي خسر إلى اليوم 7 طائرات مأهولة، من طرازات نوعية كان يُعتقد أنها "فخر الصناعة العسكرية الأمريكية".

ترامب الخاسر في حربه العدوانية على إيران، كان يظن أنها "نُزهة عسكرية" ستنتهي خلال 3 أيام بعد اغتيال المرشد الأعلى، وخروج الشعب الإيراني إلى الشارع، لكنَّ ظنه قد خاب، والتحم الشعب مع قيادته الشرعية، وتماسكت مؤسسات الدولة العميقة، ونجحت في حماية كيان الدولة من الانهيار بعد سلسلة الاغتيالات العشوائية التي نُفِّذت في بدايات الحرب، واستعاد النظام قوته بعد اختيار مرشد أعلى جديد وتعيين قيادات عسكرية في كل المناصب التي شغرت بعد اغتيال أصحابها.

ترامب المهزوم منذ اللحظة الأولى، لم يدرس التداعيات الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية على المنطقة والعالم، وفي القلب منه "حلفاؤه" الذين وثقوا في ما يسمى بـ"الحماية الأمريكية"، فكانت الحرب وبالًا وخسرانًا، وباتت القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة هدفًا أصيلًا لإيران، في حملتها للدفاع عن نفسها. ولأول مرة تُشهر إيران ورقة "مضيق هرمز"، وتُقرر إغلاقه أمام السفن المعادية، بل وتتحكم في هذا المجرى الملاحي الدولي؛ الأمر الذي تسبب في ارتفاع تكلفة الشحن البحري، وتعدل إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاع الأسعار لمستويات تاريخية غير مسبوقة، وزيادة أسعار الوقود في العديد من دول العالم؛ إذ يمر نحو 20% من النفط العالمي عبر هذا المضيق. وفي ظل حالة "الاختناق الطاقي"- إذا صح التعبير- فإن توقعات نمو الاقتصاد العالمي تبدو قاتمة، لا سيما مع بدء الدول المستوردة للنفط في خفض الاستهلاك وترشيده، بما يضر بعمليات الإنتاج، وبصفة خاصة في دول شرق آسيا.

هزيمة ترامب في هذه الحرب لم تكن فقط هزيمة سياسية، مع اشتعال الغضب العارم بين صفوف حركة "ماجا"- التيار الرئيس الداعم لترامب- وتراجع شعبيته إلى أدنى مستوى، وإنما هزيمة عسكرية كذلك، فالخسائر التي تتكبدها القوات الأمريكية كبيرة، رغم عدم دخول الأزمة مرحلة الحرب البرية والمواجهة المباشرة على الأرض، فقد قُتل 13 جنديًا أمريكيًا وأُصيب نحو 365 عسكريًا أمريكيًا، وأُسقطت 7 طائرات مقاتلة مأهولة، وتعرضت 17 موقعًا عسكريًا في المنطقة للتدمير، من بينها محطات رادار دفاع جوي ومنصات إطلاق صواريخ وحاملات طائرات وغيرها. أما الهزيمة الاقتصادية فتتمثل في ارتفاع تكلفة الحرب لنحو 1.5 مليار دولار يوميًا، أي ما يزيد عن 510 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، وما خفي أعظم!

وباستشراف مسارات هذه الحرب، يمكن القول إن إصرار الرئيس الأمريكي على إطالة أمدها لنحو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع كما أعلن قبل يومين، سيؤدي- لا محال- إلى مزيد من الخسائر العسكرية، وستتحول إيران إلى مُستنقع جديد لن يقول ضراوة عمَّا جرى في فيتنام أو أفغانستان أو العراق، وهي مجموعة حروب خاسرة تجرعت فيها الولايات المتحدة أشد أنواع الهزائم العسكرية. ولذلك يبدو أن الحرب ستمتد لفترة غير معلومة، إذا ما أصرّت الولايات المتحدة على فكرة "استسلام إيران"، لأن إيران ليست دولة حديثة النشأة أو كيانًا وظيفيًا تأسس لأغراض بعينها، وإنما أًمَّة متجذرة في التاريخ الإنساني وشعبٌ مُستمسكٌ بوطنه ودولته، مهما كانت الضغوط ومهما كانت التحديات، ومهما كانت معارضة البعض لنظام الحكم، فهذه كلها أمور صحية ومنطقية وطبيعية في أي بلدٍ كان. إيران دولة حضارية وليست حضارة مدنية.

ويبقى القول.. إنَّ الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تقود الولايات المتحدة إلى الانزلاق نحو هاوية سحيقة لا يعلم أحد قرارها، في ظل ما تتكبده القوات الأمريكية من خسائر فادحة وفشل ذريع في تحقيق أهداف هذا العدوان غير القانوني وغير الأخلاقي، لكن في المقابل تُمهِّد هذه الحرب لنظام عالمي جديد، نظام غير كلاسيكي، نظام يفرض فيه "الأذكياء" رؤيتهم دون عرضها، وينفذون أهدافهم دون تحمُّل دولار واحد، نظام يستغل الغباء الأمريكي المُتجسِّد في السياسيات الترامبية، لتأسيس منظومة عالمية جديدة يكون الطرف الأمريكي فيها هو الأضعف، رغم شعوره بأنه الأقوى، ولذلك فإن حرب ترامب الخاسرة في إيران ستنتهي إلى فضيحة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.. والأيام المقبلة حُبلى بالمفاجآت!!

الأكثر قراءة

z