أكد أن الولايات المتحدة من أكبر المستفيدين عبر دفع الدول نحو الاعتماد على الطاقة الأمريكية

الحجي لـ"الرؤية": أزمة مضيق هرمز الحالية أداة لإعادة صياغة خريطة الطاقة العالمية

 

أزمة مضيق هرمز الحالية تمثل تحولا تاريخيا غير مسبوق

تحديات الحرب على إيران تضرب مفاصل الصناعة والزراعة بالعالم

الكثير من الموارد غير النفطية تمر عبر مضيق هرمز وترتبط بالأمن القومي العالمي

العالم يتجه نحو ركود اقتصادي إذا استمرت الحرب لأسابيع إضافية

 

الرؤية- ريم الحامدية

قال الدكتور أنس فيصل الحجي، مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة: إن الأزمة الراهنة في مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل تحولًا تاريخيًا غير مسبوق يتجاوز في آثاره كافة الأزمات السابقة، بما في ذلك أزمة السبعينيات والحرب العراقية الإيرانية.

وأضاف -في تصريحات لـ"الرؤية"- أن التداعيات لا تقتصر على قطاع النفط والغاز فحسب، بل تمتد لتضرب مفاصل الصناعة العالمية والزراعة، لا سيَّما في آسيا، لافتًا إلى أن البيانات تشير إلى أن الولايات المتحدة تبرز كأكبر مستفيد استراتيجي واقتصادي من هذا الإغلاق على المدى المتوسط والطويل، وخاصة المدى الطويل، حيث تعزز هيمنتها كبديل رئيسي لتصدير الطاقة والمنتجات الحيوية، بينما تواجه دول مثل الهند والصين تحديات جسيمة تتعلق بأمن الغذاء والطبخ النظيف والصناعات التقنية، وسط تعقيدات قانونية في قطاع التأمين البحري تمنع حركة الملاحة حتى مع وجود ممرات آمنة.

مضيق هرمز.jpg
 

ويبين الحجي أن الأزمة تتخطى التصور السائد بأن المضيق مجرد ممر للنفط، لكنه ممر حيوي للكثير من الموارد التي تدخل في صلب الأمن القومي للدول، حيث يمر عبره 35% من تجارة الهيليوم العالمية، وتعتمد آسيا على الخليج لتوفير أكثر من 90% من حاجتها منه، مما يعني تعطل صناعة أشباه الموصلات وشرائح الكمبيوتر في آسيا، ليكون المستفيد الأكبر هو الولايات المتحدة كأكبر منتج للهيليوم عالميًا.

ولفت إلى أن 33% من تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحرًا تمر عبر المضيق، وأن الهند تستورد 24% من أسمدتها من الخليج، مما يهدد بمجاعة في المواسم الزراعية القادمة، خاصة وأن توقف إمدادات الغاز الخليجي يعطل أيضًا مصانع الأسمدة المحلية في الهند، مضيفًا أن 32% من الميثانول العالمي المتاجر به بحرًا يمر عبر المضيق، مما أثر على دول مثل إندونيسيا وماليزيا لعدم قدرتها على تصنيع الديزل الحيوي، كما يمر عبر المضيق 23% من الغازات السائلة مثل البروبين والبيوتين، مما يسبب إغلاقه أزمة طاقة منزلية حادة في الهند التي تعتمد على البروبين السعودي بمواصفاته الخاصة لمشروع الطبخ النظيف التابع للأمم المتحدة، ومع وجود عطل فني سابق في المصنع فإنه لا يمكن تعويض هذه الإمدادات بالغاز الأمريكي أو الروسي لاختلاف الخصائص.

وفيما يخص تحليل سوق الطاقة، انتقد الدكتور الحجي القصور الإعلامي الذي يصف نسبة النفط المارة بـ20%، معتبرًا إياها رؤية سطحية، بينما الواقع هو 30% من التجارة العالمية للنفط الخام، مبينًا أن الكميات تشمل ما بين 18 إلى 19 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة، بالإضافة إلى 19% من الغاز المسال عالميًا، حيث تعد قطر والإمارات المصدرين الرئيسيين.

وأكد أن الولايات المتحدة هي المستفيد الاستراتيجي لكونها أكبر منتج ومصدر للمنتجات النفطية والغاز المسال والغازات السائلة عالميًا، مما يمنحها هيمنة على قطاع الطاقة تتجاوز أوروبا لتشمل أغلب دول العالم، مشيدًا في الوقت ذاته بالجهد الاستثنائي الذي بذلته السعودية في نقل النفط من الشرق إلى الغرب عبر الأنابيب، مما أنقذ حوالي 4 ملايين برميل يوميًا من التوقف التام.

وأوضح مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة أن السبب الحقيقي لتوقف السفن في الخليج ليس القوة العسكرية الإيرانية فحسب، بل إلغاء التأمين الشامل، حيث أجبرت قوانين بريطانية وأوروبية شركات التأمين على رفع السيولة النقدية (الكاش) مع ارتفاع المخاطر، مما دفعها للانسحاب من تغطية المنطقة بالكامل، مبينًا: "بدون تأمين لا يمكن لأي سفينة التحرك حتى لو وفَّرت القوات الدولية مرافقة عسكرية".

وطرح الحجي فرضيتين سياسيتين: إما أن إيران أغلقت المضيق وقدمت خدمة تاريخية لمصالح أمريكا، أو أن الولايات المتحدة هي من رتبت الظروف للإغلاق عبر ملفات التأمين والرسائل الاستخباراتية للصق التهمة بإيران، مستدلًا بنشر إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي في نوفمبر قبل الأزمة بأربعة أشهر، والتي تحدثت عن فتح مضيق هرمز وربطه بأمن إسرائيل، مما يوحي بترتيب مسبق للأحداث.

وكشف الحجي عن حملة علاقات عامة دولية سبقت الإغلاق، حذرت الشركات الآسيوية من توقيع عقود طويلة الأمد مع قطر والإمارات، وحثتها على التوجه إلى الغاز الأمريكي بدعوى أن مضيق هرمز سيغلق.

وفي استعراضه لردود الفعل الدولية، ذكر الحجي أن الصين كانت الأكثر وعيًا للأزمة، حيث وقعت عقودًا مع روسيا لإحياء أنابيب الغاز عبر منغوليا لتجنب الممرات البحرية التي تسيطر عليها أمريكا، كما تمتلك مخزونًا استراتيجيًا هائلًا يصل إلى 1.4 مليار برميل من النفط لم تستخدمه بعد تحسبًا لحرب طويلة، لافتًا إلى أن الأوكرانيين استغلوا انشغال العالم لضرب موانئ نفط روسية، مما تسبب في خسارة مليون برميل يوميًا، بينما طالبت بريطانيا باحتجاز السفن الروسية التي استثناها ترامب من العقوبات.

وذكر أن العراق والكويت وقطر هي الدول الأكثر تضررًا لعدم امتلاكها منافذ بديلة، مما يجعل بناء أنابيب جديدة مثل أنبوب البصرة-العقبة قضية أمن قومي ملحة.

واختتم مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة حديثه بتوقعه أن العالم يتجه نحو ركود اقتصادي عالمي إذا استمرت الحرب لأسابيع إضافية، مما سيؤدي في النهاية إلى تحطم الطلب وانخفاض أسعار النفط ربما إلى 50 دولارًا لخام برنت، مقترحًا حلولًا لدول الخليج تبدأ بالحل السياسي الدبلوماسي الذي لا بديل عنه لضمان استقرار المنطقة، ثم ضرورة بناء صناعة تأمين وطنية وتكتل تأمين خليجي عربي ضخم للاستغناء عن شركات التأمين الغربية التي تتحكم في حركة الملاحة، بالإضافة إلى تنويع اللوجستيات عبر تعزيز الموانئ على البحر الأحمر غرب السعودية وإنشاء شبكات سكك حديدية للربط بين الموانئ الخليجية والبحر الأحمر وتطوير الشحن الجوي كبديل سريع للبضائع.

كما نوَّه في الوقت نفسه إلى أن القيمة الأمنية للأنابيب تراجعت بسبب تطور تقنيات المُسيّرات التي يمكنها استهداف المضخات والموانئ بسهولة، ليخلص في النهاية إلى أن أزمة مضيق هرمز الحالية هي أداة لإعادة صياغة خريطة الطاقة العالمية، حيث يتم دفع الدول الآسيوية نحو الاعتماد على الطاقة الأمريكية، بينما تبقى دول المنطقة أمام خيار تطوير أدواتها السيادية في التأمين واللوجستيات لتقليل التبعية للخارج.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z