عبيدلي العبيدلي **
- التحديات الصناعية وبناء القاعدة الإنتاجية
وعلى المستوى الصناعي، يتطلّب تحويل الاقتصاد البرتقالي إلى قطاع منتج ومصدِّر امتلاك قوة عاملة ذات مهارات عالية في مجالات تقنية‑إبداعية مركّبة، مثل تصميم الألعاب، والرسوم المتحركة، والمؤثرات البصرية، والتصميم الصناعي والتجارب التفاعلية. هذه المجالات تعاني حاليًا من نقص واضح في الكفاءات، لا سيما النسائية، لأسباب تتراوح بين ضعف البرامج التعليمية المتخصصة، وقلة النماذج النسائية الملهمة في هذه الحقول، وصورة نمطية تربط بعض هذه التخصصات بعوالم "ذكورية" كالبرمجة أو هندسة البرمجيات. يضاف إلى ذلك أن الاستثمار المالي الكبير المطلوب لبناء استوديوهات إنتاج متقدمة، ومراكز بحث وتطوير، ومختبرات ابتكار في المجالات الإبداعية العالية التقنية، استثمار كبير وطويل الأمد، ما يجعل دخول المرأة إليه – بوصفها مالكة أو قائدة – أكثر صعوبة ما لم تُصمم أدوات تمويل وملكية تشاركية تراعي هذا الواقع. هنا يظهر بوضوح غياب نظام بيئي قوي لتوليد الملكية الفكرية وحمايتها واستثمارها تجاريًا؛ فحتى عندما تنجح فرق نسائية أو مختلطة في إنتاج محتوى أو منتج ابتكاري، يبقى سؤال من يحمي هذا المحتوى، ومن يحوّله إلى أصول مدرّة للدخل، ومن يضمن له النفاذ إلى أسواق أوسع، سؤالًا معلقًا.
هذا التحول يتطلّب قوة عاملة ذات مهارات مركّبة، تجمع بين الحس الإبداعي العميق والتمكن التقني في مجالات مثل تصميم الألعاب، والرسوم المتحركة، والمؤثرات البصرية، والتصميم الصناعي، وتجارب الواقع الممتد (الافتراضي والمعزّز والمختلط). هذه المجالات تتطلب فرقًا متخصصة تضم مبرمجين، ومصممي واجهات وتجارب استخدام، وكتاب سيناريو، ومهندسي صوت، ومديري إنتاج، ما يعني أن أي فجوة في الكفاءات النسائية لا تؤثر في "تمثيل" المرأة فقط، بل في قدرة القطاع كله على توليد محتوى يعكس تنوع المجتمع وثراءه.
- التحديات الرقمية وتحولات منصات الإبداع
في قلب هذه الصورة تبرز التحديات الرقمية بوصفها "مضاعِفًا" لكل ما سبق؛ إذ إن جزءًا متزايدًا من الاقتصاد البرتقالي بات يتحرك على منصات رقمية، ويعتمد على تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحليل البيانات، وتقنياتWeb3، وبنى التوزيع الرقمي للمحتوى. هنا تظهر فجوة مزدوجة: فجوة في البنية التحتية الرقمية الداعمة للمشروعات الإبداعية الصغيرة والمتوسطة (من أدوات الإنتاج إلى بوابات الدفع ومنصات التوزيع)، وفجوة في المهارات الرقمية المتقدمة لدى النساء مقارنة بالرجال في بعض المسارات التقنية الحساسة. هذه الفجوة تجعل كثيرًا من المبدعات حبيسات أدوار "مستخدمات نهائيات" للتقنيات، لا "مُطوِّعات" أو "مُطوِّرات" لها، ما يحد من قدرتهن على الاستفادة الكاملة من موجة التحول الرقمي في المحتوى الإبداعي. كما أن التنافس الضاري على المنصات، وخوارزميات التوزيع التي لا تراعي العدالة.
هذا يكشف عن فجوة مزدوجة: فجوة في البنية التحتية الرقمية الداعمة للمشروعات الإبداعية الصغيرة والمتوسطة، وفجوة أخرى في المهارات الرقمية المتقدمة لدى النساء في المسارات التقنية الحرجة. على مستوى البنية التحتية، لا تزال العديد من المبدعات يواجهن صعوبات في الوصول إلى أدوات إنتاج احترافية منخفضة الكلفة، ومنصات دفع إلكتروني سلسة، وخدمات سحابية آمنة، وأنظمة توزيع رقمية عادلة تمكنهن من تسويق أعمالهن خارج الحدود الجغرافية. في كثير من الأحيان، تضطر الفنانة أو رائدة الأعمال للعمل على منصات أجنبية لا تراعي بالضرورة الخصوصية اللغوية والثقافية، أو لا تتيح خيارات دفع تناسب واقعها المحلي.
- التحديات الإبداعية والثقافية
أما التحديات الإبداعية الخالصة، فهي لا تقل عمقًا عن التحديات التجارية والصناعية والرقمية. فالمبدعات في المنطقة يعملن في فضاء مزدوج: من جهة، ضغط توقعات اجتماعية محافظة أحيانًا تضيق بهامش الموضوعات والأساليب الممكنة، ومن جهة أخرى، ضغط سوق عالمي يطلب "فرادة محلية" لكن ضمن قوالب جمالية وسردية يحددها في كثير من الأحيان المركز العالمي للإنتاج الثقافي. هذا الوضع يخلق معضلة إبداعية: كيف تنتج المرأة الخليجية أو العربية محتوى يحمل بصمتها الثقافية ولا يتحول في الوقت نفسه إلى "فولكلور آمن" يستهلكه الآخر بوصفه غرائبيًا؟ وكيف تحافظ على استقلاليتها الفنية في منظومة تمويل وتوزيع تملك مفاتيحها شركات ومنصات كبرى غالبًا ما تتمركز خارج الإقليم؟ يضاف إلى ذلك أن النقد الثقافي والمؤسسات البحثية المتخصصة في تقييم ومواكبة الإنتاج الإبداعي النسائي لا تزال محدودة، ما يضعف حلقات التغذية الراجعة التي يحتاجها أي حقْل إبداعي لينضج.
تتعمق هذه التحديات بضعف البنية النقدية والبحثية المواكِبة للإنتاج الإبداعي النسائي. فقلّة المؤسسات البحثية المتخصصة، وندرة المنابر النقدية الجادة، وغياب أرشفة منهجية لأعمال المبدعات، كلها عوامل تؤدي إلى انقطاع حلقات التغذية الراجعة الضرورية لنضج أي حقل إبداعي. النقد الرصين لا يروّج فقط للأعمال المتميزة، بل يساعد أيضًا على خلق مفاهيم مشتركة، ويصوغ لغات جديدة لفهم التجارب النسائية وتحليلها وتراكمها عبر الأجيال.
كما أن غياب شبكات مهنية وثقافية قوية تربط بين المبدعات – عبر الحدود الوطنية والحقول الفنية المختلفة – يحد من القدرة على بناء "كتلة حرجة" من الأصوات النسائية المؤثرة، التي يمكنها أن تفاوض مؤسسات الإنتاج والتوزيع من موقع قوة، وأن تطرح رؤى بديلة للسياسات الثقافية، وأن تشكل مرجعيات جديدة للأجيال الصاعدة. في ظل هذا الفراغ، غالبًا ما تبقى النجاحات النسائية فردية ومجزأة، دون أن تتحول إلى تيار أو مدرسة أو مشهد متكامل تستطيع الأجيال اللاحقة البناء عليه.
** خبير إعلامي
