مرتضى بن محمد جواد الجمالاني
في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية وتعقّد المشهد الإقليمي والدولي، تبرز صناعة التأمين وإعادة التأمين كخط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر غير المتوقعة، خصوصًا تلك المرتبطة بأخطار الحروب وتعطّل سلاسل الإمداد العالمية. ويأتي مضيق هرمز في قلب هذا المشهد بوصفه أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة والطاقة في العالم، حيث تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، لم تعد إدارة المخاطر مجرد أداة فنية؛ بل أصبحت ركيزة استراتيجية تفرض على الأسواق التأمينية والجهات التنظيمية تبنّي حلول مبتكرة، والتفكير في نماذج جديدة للتكامل الإقليمي، قادرة على تحقيق التوازن بين استمرارية الأعمال وتعزيز الأمن الملاحي، وفتح آفاق اقتصادية مستدامة.
ويُعدّ قطاع التأمين وإعادة التأمين إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، لما له من دور محوري في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي. ويسهم هذا القطاع بشكل فعّال في توفير الحماية اللازمة من مختلف المخاطر، بما يدعم تحقيق التنمية المستدامة ويعزز الثقة في البيئة الاستثمارية. كما يوفر قطاع التأمين منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، سواء كانت مالية أو غير مالية، من خلال آليات احترافية تهدف إلى الحد من آثار المخاطر وتوفير الحماية الفعلية للأفراد والمؤسسات على حد سواء. وفيما يتعلق بالمخاطر ذات الطبيعة الخاصة، مثل مخاطر الحروب والاختطاف والمخاطر المشابهة، فإنه يتم التعامل معها من خلال مجمعات وأسواق تأمينية متخصصة، لا سيما سوق التأمين البحري، الذي يتمتع بالخبرة والقدرة الفنية على اكتتاب هذا النوع من المخاطر عالية التعقيد.وقد نظّم الاتحاد العام العربي للتأمين، يوم الأربعاء 1 أبريل 2026، بالتعاون مع معهد الخدمات المالية بالقاهرة، ندوة افتراضية بعنوان: "الوضع الجيوسياسي الحالي وتأثيراته على صناعة التأمين". وتناول المتحدثون خلال الندوة تطورات الأوضاع الراهنة في بحر العرب والخليج العربي، مع التركيز على أخطار الحروب، ومستويات التسعير، وتغطيات التأمين، بالإضافة إلى الدور الذي يؤديه مجمع الأخطار الحربية العربي، ومقره مملكة البحرين. ويُذكر أن ما يقارب 20٪ من إمدادات النفط العالمية تمر عبر أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية، وهو مضيق هرمز.
ويُعدّ الممر المائي لمضيق هرمز من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث يقع عند مدخل الخليج العربي، ويحدّه من الجنوب سلطنة عُمان، ومن الشمال الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتتحمّل هاتان الدولتان مسؤولية الإشراف والتنظيم وتأمين حركة الملاحة فيه، وذلك وفقًا لأحكام قانون البحار والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية، قامت بعض شركات التأمين ونوادي الحماية والتعويض (P&I Clubs) بإلغاء تغطيات أخطار الحروب، في حين لجأت شركات أخرى إلى إصدار إشعارات تحذيرية ومنح مهلة محدودة- غالبًا سبعة أيام- لاستمرار سريان التغطية، يعقبها إعادة تقييم شروط التأمين والتسعير.
وعلى صعيد تاريخي، جاءت فكرة تأسيس مجمع التأمين العربي لأخطار الحروب (Arab War Risks Insurance Syndicate – AWRIS) بمبادرة من الشركة العراقية لإعادة التأمين خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، بهدف توفير غطاء تأميني متخصص لمخاطر الحروب. وقد بدأ المجمع نشاطه فعليًا في عام 1991، ثم انتقل مقره إلى قبرص، قبل أن يستقر في مملكة البحرين عام 1994. ويضم المجمع حاليًا نحو 208 شركة تأمين من 16 دولة عربية أعضاء في جامعة الدول العربية، ويعمل على متابعة شروط وأسعار سوق التأمين العالمي، لا سيما سوق لندن، بما يضمن توافق التغطيات مع أفضل الممارسات الدولية.
ويواجه مجمع (AWRIS) في الوقت الراهن عددًا من التحديات الإدارية والفنية، في ظل تسارع المتغيرات الجيوسياسية وتعقيدات سوق التأمين العالمي، الأمر الذي يتطلب تعزيز الحوكمة، وتطوير القدرات الفنية، ورفع مستوى التنسيق بين الأعضاء لمواكبة هذه التحديات.
وانطلاقًا من المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية، يُلاحظ أن الدولتين الجارتين، سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتمتعان بدرجة عالية من التكامل (Synergy)، في ظل ما يجمعهما من علاقات تاريخية وأواصر صداقة وأخوة، فضلًا عن القواسم المشتركة على مستوى الحكومات والشعوب.
وفي هذا الإطار، يُقترح البناء على هذه العلاقة المتينة من خلال الاستمرار في تعزيز العمل المشترك، وتوسيع نطاق الشراكة ليشمل القطاع الخاص، عبر تأسيس كيان استثماري مشترك تحت مسمى: "الشركة العُمانية الإيرانية العالمية القابضة للخدمات اللوجستية"، على أن تكون شركة خاصة قابضة، يتم إدراجها في أسواق المال في كلا البلدين.
وتتولى هذه الشركة تقديم خدمات لوجستية متكاملة في الممرات البحرية، بما في ذلك تسهيل حركة العبور، وتنظيم العمليات التشغيلية، وتوفير الحلول التأمينية المرتبطة بالمخاطر، على أن يتم تحصيل رسوم عبور مقابل هذه الخدمات، وفق أطر تنظيمية وتجارية واضحة، وبما يعزز كفاءة واستدامة هذا الممر الحيوي.
ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في تعزيز الأمن الملاحي، ورفع كفاءة الخدمات، وتنويع مصادر الدخل، إضافة إلى دعم التكامل الاقتصادي الإقليمي، بما يحقق مصالح مشتركة ومستدامة للطرفين.
** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
