إيران.. ما لها وما عليها

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

منذ أكثر من ثلاثين يومًا، والمنطقة تعيش على وقع حربٍ مفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، حرب لا تُحسم نتائجها بقدر ما تتسع تداعياتها.. صواريخ متبادلة وقواعد تُستهدف ومواجهات تتنقل من ساحة إلى أخرى، حتى خرجت الأزمة من إطارها الإقليمي لتلامس الاقتصاد العالمي، مع إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار الدولي أمام أي تصعيد غير محسوب.

وفي خضم هذا المشهد، يُصبح من السهل الانجرار خلف المواقف الحادة، لكن الأجدر هو التمسك بالمبدأ: الخلافات لا تُحل بالحروب، ولا تُدار بالاغتيالات، ولا يمكن أن يُبنى الاستقرار على أنقاض الدول، فنحن حين ننحاز فإننا ننحاز إلى الحق حيثما كان، ومن هذا المنطلق فإننا نرفض هذا العدوان ونرفض هذه الحرب التي كان يمكن تجنُّبها، خاصةً في ظل مؤشرات سابقة حول انفتاح نحو الحوار ومسارات دبلوماسية كانت على الأقل قابلة لأن تُستكمل بدل أن تُقوّض بالقوة.

وبالعودة إلى عنوان هذا المقال، وحتى نُعطي كل ذي رأي حقه قبل هذه الحرب المجنونة، نستعرض بعض النقاط -وليس كلها- إذ لا يمكن لهذه السطور أن تستوعب كل المواقف.. إيران: ما لها وما عليها.

أما ما لإيران.. فإنها دولة ذات سيادة ولها حق أصيل في حماية أراضيها وقرارها الوطني ورفض أي اعتداء عليها، وهذا ليس موقفًا سياسيًا؛ بل قاعدة مستقرة في القانون الدولي، ولها الحق في أن تطوّر قدراتها الدفاعية، وأن تبني أدوات الردع التي تراها ضرورية، في منطقة تعج بالتسلح والتحالفات المتغيرة؛ حيث يصبح الأمن هاجسًا دائمًا لا يمكن تجاهله. ولها كذلك أن تمتلك برنامجًا نوويًا لأغراض سلمية، ضمن الأطر القانونية الدولية، ما دامت مُلتزمة بضوابطه، لأن الحقوق لا تُنتزع بالافتراضات، بل تُقيّد فقط بالمخالفة. ولشعبها، دون سواه الحق في اختيار قياداته وتحديد مساره السياسي، بعيدًا عن أي تدخل خارجي، لأن إرادة الشعوب لا تُفرض من الخارج.

ولها أن تحدد خياراتها السياسية، بما في ذلك موقفها من التطبيع أو من القضايا الإقليمية، وفق ما تراه منسجمًا مع رؤيتها ومصالحها، بما في ذلك موقفها من القضية الفلسطينية. ولا يمكن إغفال أن إيران دولة ذات عمق تاريخي وحضور إقليمي مؤثر، ما يجعلها طرفًا رئيسًا في معادلات المنطقة، لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه بمنطق الإقصاء.

أما ما عليها.. فعليها أولًا أن تدرك أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على التمسك بحقوقها؛ بل بقدرتها على تبديد مخاوف الآخرين. وعليها أن تعزز الشفافية، ليس فقط في برنامجها النووي؛ بل في مجمل سياساتها، لأن الغموض حتى وإن لم يكن مقصودًا يفتح الباب أمام الشك والتصعيد.

وعليها أن تعمل على طمأنة محيطها الإقليمي وأن تستمع إلى هواجس دول الجوار، لأن الأمن لا يُبنى بشكل منفرد؛ بل عبر توازنات دقيقة. وعليها أن تلتزم بأن يكون حضورها خارج حدودها ضمن الأعراف الدبلوماسية المعترف بها، وبما يحترم سيادة الدول، ويُجنّب المنطقة مزيدًا من مسارات الاحتكاك.

وعليها كذلك أن تُبرهن -لا أن تفترض- أنها تستمع لصوت شعبها في الداخل، وأن تفتح قنوات واضحة تعبّر من خلالها إرادة المجتمع، لأن ترك هذا الملف للتأويل الخارجي يخلق فجوة تُستغل سياسيًا، ويحوّل مسألة داخلية إلى أداة ضغط دولي. وعليها أن تدرك أن بناء الثقة لا يتم عبر القوة، بل عبر الوضوح والاستقرار في السياسات، لأن الرسائل غير المباشرة لم تعد كافية في بيئة إقليمية متوترة.

وحقيقة ما يجري اليوم لا يعكس تعقيد الخلاف بقدر ما يعكس فشل إدارته. فكلما ارتفعت وتيرة التصعيد، بدا وكأنَّ الحل يبتعد، بينما الحقيقة أن كثيرًا من هذه الخلافات كان يمكن احتواؤها عبر قنوات الحوار لو أُعطيت الفرصة الكافية. الحروب لا تختصر الطريق، بل تُطيله، ولا تُنهي الأزمات، بل تُعيد إنتاجها.

تعمدنا أن نبتعد عن الخوض في الأسباب المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب، لأننا نرفض أصلًا أن تكون الحرب وسيلة لفهم الخلاف أو حله. لكن، إذا ما نظرنا بإنصاف، سنجد أن ما لإيران من حقوق واضح ومشروع، وأن ما عليها من التزامات ممكن ومتاح.

وبين هذا وذاك، تقف حقيقة ربما غابت وسط الضجيج: أن هذا الخلاف، في جوهره، ليس بذلك التعقيد الذي يبرر كل هذا الدمار؛ فإيران، التي تؤكد أنها لم تعتدِ، تملك فرصة حقيقية لتبديد المخاوف بالمزيد من الوضوح… والآخرون، بدلًا من فرض الإرادات بالقوة، يملكون فرصة لاختبار جدية الحوار.

ما كان قريبًا من الحل يومًا، لا ينبغي أن يُدفن تحت ركام الحرب… وما يمكن أن يُحسم بالعقل، لا يجوز أن يُترك لآلة الحرب والدمار، التي لم تجلب إلا فقد الأرواح واستنزاف الموارد، التي كان الأجدر أن تُوجّه لتنمية الإنسان لا لإفنائه.

إنَّنا نأمل أن تضع هذه الحرب أوزارها قريبًا، لا لأنها انتهت؛ بل لأن كُلفتها أصبحت أعلى من أن تُحتمل، وأن تخرج منها دول المنطقة التي اكتوت بنار هذه الحرب بدروس واضحة، بعدما تكشفت كثير من الحقائق، وعليها أن تعيد بناء سياساتها المستقبلية على ضوء ما كشفته هذه المواجهة من موازين قوى وحدود تأثير، وحقيقة أن الاستقرار لا يُشترى بالقوة، بل يُبنى بالتوازن؛ لأن النهاية، مهما طال أمدها، لن تُكتب في الميدان؛ بل هناك؛ حيث كان ينبغي أن يبدأ كل شيء: على طاولة الحوار.

الأكثر قراءة

z