حين يكون الكفّ حكمة

 

 

 

 

نور بنت محمد الشحري

في زمنٍ يضيق فيه اليقين، وتتسع فيه الظنون، لا يكون السؤال: ماذا نقول؟ بل: هل نقول أصلًا؟ فليست كل اللحظات تُواجه بالكلام، ولا كل ما يُفهم يُقال، وأحيانًا… يكون الكفّ هو الحكمة.

لم أعد أبحث عن الخبر كما كنت، ولا عن تلك الحقيقة التي ظننت يومًا أن الوصول إليها يمنحني طمأنينة، أدركت أن المشكلة لم تكن فيما نراه، بل في قدرتنا على تحمّله، في عالمٍ تتدفق فيه الأخبار بلا انقطاع، لا يُرهقنا الجهل بقدر ما يُرهقنا فائض المعرفة، وتراكم الصور، وتزاحم الروايات.

ومع هذا الضجيج، تبرز مسؤولية لا تقل أهمية عن المتابعة: مسؤولية ما ننشره، فالكلمة لم تعد رأيًا عابرًا، بل أثرًا يمتدّ إلى قلوب الناس وقراراتهم، وحين تتكاثر التأويلات، وتُطلق الآراء بلا تمحيص، لا يتوقف أثرها عند حدود النقاش… بل يتسرّب بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وفي هذا المشهد، يبرز من يجعلون من الأزمات أمواجًا، ومن آرائهم قوارب لركوبها، لا يقودهم قصد نفعٍ عام بقدر ما تدفعهم رغبة في الظهور والانتشار، فيُضخّمون الحدث، ويُسرّعون الحكم، ويقدّمون التفسير على أنه حقيقة مكتملة، ومع كل موجةٍ تُثار، ينجرف معها من يبحث عن يقينٍ سريع، فتزداد الحيرة بدل أن تنحسر، وهنا لا تكون المشكلة في وجود الرأي، بل في طريقة عرضه، وفي تحوّله من اجتهاد قابل للأخذ والرد إلى يقينٍ يُسوّق ويُستَتبع، في وقتٍ يحتاج الناس فيه إلى التثبّت لا الاستثارة.

في المزاج العام، في شعور الناس بالأمان، وحتى في قراراتهم الصغيرة، يتشكل وعيٌ مضطرب لا يستند إلى حقيقة مكتملة، بل إلى انطباعات متراكمة.

وهنا، لا يكون الصمت تقاعسًا، بل وعيًا. وقد يكون الانسحاب خط دفاع: عن تماسك المجتمع، وعن وعيٍ جمعيٍّ قد يختل إذا تُرك لكل صوتٍ أن يقوده دون بينة. ليس كل ما يُقال يُتبع، ولا كل ما يُنشر يُعاد نشره. وأفضل ما نفعله في أوقات التوتر هو الرجوع إلى الجهات ذات الاختصاص، وإعادة نشر بياناتها، والالتزام بتوجيهاتها.

ومن المهم التنبيه إلى أن الانجرار خلف النشر والتأويل والتحزّب، وتحويل الآراء إلى اصطفافات، ثم تجريم من لا يشارك هذا الاصطفاف أو التشكيك في معتقده وانتمائه، مسار يضاعف الانقسام ويستنزف المجتمع، ومن نأى بنفسه عن هذا الضجيج، واختار التريّث، فقد اختار موقفًا مسؤولًا يقدّم سلامة المجتمع على اندفاع اللحظة.

نعم، على الإنسان أن يكون بصيرًا ومطّلعًا، لكن عليه أن يكون أعمق فهمًا، وأدقّ فيما يُخرِج للناس، فليست كل كلمة تُقال مجرد تغريدة، بل قد تكون عبئًا على قلوب آخرين، يعيش كلٌّ منهم حياته بأمانيه وهواجسه.

وفي هذا السياق، تأتي توجيهات الدولة بضبط الخطاب، والتحذير من الشائعات، والدعوة إلى الرصانة، توجيهات لا تُقيّد، بل تحمي.

ولنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يعيننا على ذلك، إذ قال: «العبادة في الهرج كهجرةٍ إليّ»، فيكون لزوم النفس، وكفّ اللسان -ومن ذلك النشر- والاشتغال بما ينفع، طريقًا للنجاة.

في النهاية، لسنا مطالبين أن نكون في قلب كل حدث، ولا أن نفسّر العالم بأسره. أحيانًا، أكثر ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولمجتمعنا، أن نحافظ على توازننا، وأن نحمي وعينا… ونبقى على قدر مسؤوليتنا الحقيقية: وعيٌ هادئ، وقلبٌ مطمئن.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z