فول وقصب 8

مُزنة المسافر

 

سؤال مهم، أين هو موقع القلب في الجسد يا دلولة؟ يمين أم شمال، هل تعرفين؟

لا تعرف دلولة أين يقع قلبها، لكنها تعرف أنه يدق كجرس جديد، يقدر أن يقرع لأهم ضيف أمام عتبة الباب، وأين هم الأحباب يا ترى؟

 

دلولة تفكر في الأراجوز الذي خطف قلبها بسحره، وكلامه الأراجوزي الظريف، وشعوره اللطيف، قال لها منذ أسابيع قبل أن يخرج للدنيا.

 

الأراجوز: تعرفي يا دلولة، أحلى حاجة في المسرح ده إيه؟

 دلولة: إيه يا سي أراجوز؟

الأراجوز: أنتِ يا دلولة، وخصوصا لما تبقي مشغولة.

دلولة: مشغولة بأيه؟

الأراجوز: بالخياطة طبعًا!

 

دمه ثقيل هذا الأراجوز، لا يعرف كيف يقول كلامًا يخص لغة العيون، لكنه محق أنها أحلى دمية وسط مسرح العرائس، كلهم يعانون من عذابات الشهرة، وبعضهم يسهر ليحفظ النصوص، وهي مشغولة بأجمل دبوس، يجلس وسط شعرها الذهبي، وبين البروفات تجرب كعبًا عاليًا أو تلبس فستانًا بأكمام الحرير، خاطتهُ بنفسها.

 

وحين يراها الأراجوز وهي مشغولة، تؤدي وتمثل، يريد منها أن تتمهل لأنه لا يمكنه أن يراها تكسب قلب الجمهور، وتنسى قلبه، وتأخذ عقله نحو مناطق الغيرة، سمعت دلولة عن مناطق الغيرة من التلفاز، حين تحرك الجهاز قليلًا، وتغيرت المحطة، وظهرت مذيعة تنصح النساء بفهم مناطق المشاعر، وألا تغامر مع الرجل الغيور.

لأنه قد يطلب إقصاء يومها، وإنهائه بالخناقات المستمرة.

 

 

المذيعة: أوعي، أوعي إن كنتِ ست عايزة تحس بقيمة نفسها، تقربي من الصنف ده!

المذيعة تحذر من أغلب أنواع الناس، الكذاب، الغلاب، الذي ليس له أصحاب.

من إذًا يمكن أن تقترب منه دلولة؟ الأراجوز بالتأكيد.

 

وأين هو الآن؟ الأراجوز يكتب يومياته في كشكول صغير، وينزل من سرير يقبع في كرفان متواضع بجانب خيمة السيرك، مرت أسابيع، وقد حصل على عمل في سيرك المدينة، وهنا قرر الأراجوز أن يتعاون مع النسناس، القرد الذي يعرف كيف يقدم حركاتٍ كوميدية، تُضحك شعبًا بحاله.

 

هذا النسناس، اسمه عوض، عاش في بلدان كثيرة، قال عن دمياط وكفر الشيخ، وزار النوبة عدة مرات، وقطع مسافات كبيرة ليرى الدنيا، لكنه عاد للمدينة لأن الرزقة فيها حلوة، فالمدينة تقهر سكانها وتجعلهم تحت ضغط مستمر، فالضحكة مطلوبة، والأمور على بعضها مغلوبة.

 

فعوض متأكد تمامًا أن أهل المدينة، سيضحكون، سيفرحون فقط لرؤية النسناس يحمل الميكرفون، فقط لذلك المشهد سينفجرون ضحكًا.

 

وهنا اقترب عوض من الأراجوز الطموح وقال له بخفة دم النسانيس: عارف يا أراجوز، كل ما بشوفك بتزاكر وبتعد التزاكر تزكرة تزكرة، بحس أن حياتي قدامك مصخرة!

 

يقصد عوض أن الأراجوز جادٌ في كل شيء، في عد الجمهور، وعد الأموال التي دخلت جيبه، لكن النسناس بسيط وربما عبيط قليلًا، لأنه يقدم عبر ميكرفونه كلامًا ليس فيه أي معنى.

 

وهنا قدم الأراجوز نصيحة للنسناس وقال له: بلاش تتكلم كتير، اشتغل أكتر.

وهنا شعر الأراجوز أن روح عمي رجب قد تملكته وجعلته ينطق هذه الجملة، وأنه علمه الكثير في وقت قصير، وحين قابل الأراجوز أهل الدنيا وجدهم سهارى، حَيارى، وغير قادرين على فهم الحياة.

 

وأنه وسط الجمال الذي رأه في مسرح العرائس، لم يكن كما كان يعتقد أنه أراجوزٌ عابس، لقد شاهد القصص، وقال الحكايا، ولم يعلم بالنوايا، أو شعر بتلك الخبايا، وهل ظلم عمي رجب؟ من يدري؟!

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z