محمد جعفر - كاتب وباحث
شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ حرب السابع من أكتوبر 2023 تحولًا دراماتيكيًا في المشهد الإقليمي، حيث انتقلت العلاقات العربية الإيرانية من مرحلة "التوجس التقليدي" إلى مرحلة "إدارة الأزمة" في ظل المواجهات العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، والتي بدأت "بحروب الظل" عبر جبهات المقاومة في لبنان واليمن وفلسطين، ثم تدحرجت وتدرجت. ففي أبريل 2024 اضطرت إيران إلى الرد مباشرة عقب استهداف إسرائيل قنصليتها في دمشق ومقتل قادة بارزين (عملية الوعد الصادق)، ثم عملية الوعد الصادق 2 في أكتوبر 2024 عقب اغتيال السيد إسماعيل هنية في طهران والسيد حسن نصر الله في لبنان، حتى اندلاع أعنف جولة في سلسلة الفعل ورد الفعل، والتي عُرفت باسم حرب الاثني عشر يومًا التي انتهت بتدخل دولي لوقف إطلاق النار. وفي فبراير 2026 بدأت أعنف مواجهة وأوسعها بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والمستمرة حتى كتابة هذا المقال.
أولًا: الرأي العام العربي الملتبس تجاه إيران
يتسم الرأي العام العربي تجاه إيران حاليًا بحالة من الالتباس الشديد، ويمكن تقسيم هذه التوجهات إلى ثلاثة تيارات رئيسة:
تيار التوجس التاريخي: لا يزال الرأي العام العربي (خاصة في الخليج) ينظر إلى إيران كمصدر لعدم الاستقرار، نظرًا لانتهاج بعض مؤسسي الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظرية تصدير الثورة والطموح الإمبراطوري التوسعي الفارسي، وزاد من حدة هذا الشعور الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولًا خليجية تضم قواعد أمريكية خلال المواجهة الحالية.
تيار التعاطف المرحلي: برز هذا التيار نتيجة دور إيران في إسناد "محور المقاومة" في حرب طوفان الأقصى (2024-2025)، حيث أظهرت استطلاعات للرأي مثل مؤشر الرأي العام العربي أن 48% من المستجيبين العرب أظهروا تقييمًا إيجابيًا، وهو تقييم مرتفع جدًا مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، في المقابل أظهر 80% من المستجيبين تقييمًا سلبيًا لدور أمريكا، كما تراجعت النظرة لإيران كتهديد أول، وتصدرت بدلًا منها الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في دول مثل مصر والأردن. جاء قريبًا من هذه النتائج استطلاع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الذي أُجري بعد أكتوبر 2023.
تيار القلق من توسع الصراع: وهو التيار الغالب حاليًا، حيث يخشى المواطن العربي من تحول المنطقة إلى ساحة حرب شاملة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، مما يؤدي إلى انهيارات اقتصادية وتوقف سلاسل الإمداد وتدمير بنى تحتية، وصولًا إلى احتلال بعض الدول أو الدخول في صراع مذهبي والذهاب إلى المجهول.
ثانيًا: محورية الوساطة المصرية وأهميتها
لم تعد الوساطة المصرية مجرد "تقريب وجهات نظر"، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية لمنع "الفوضى الشاملة" في ظل نزاهة الدور المصري وموثوقيته لدى جميع الأطراف، وحرصه على أمن الخليج من جهة وعدم تدمير إيران من جهة أخرى؛ لذا تتحرك الدبلوماسية المصرية وفق استراتيجية النفس الطويل، وتهدف إلى صياغة اتفاق إطار ينهي المواجهة العسكرية المباشرة التي بدأت في فبراير الماضي. وتتمحور "المبادرة المصرية" الحالية حول البدء بما يمكن تسميته "هدنة الضرورة"، وتحويلها لاحقًا إلى مسار سياسي إقليمي ودولي مستدام، في ضوء نجاحها التاريخي في الوساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي حققت اختراقًا لافتًا عبر ترتيب اتفاق وُقع في القاهرة في 9 سبتمبر 2025، مما فتح الباب لعودة المفاوضات التقنية رغم أجواء الحرب.
وتتحرك مصر في منطقة شائكة، إذ تحاول الموازنة بين عدة أمور أهمها:
- استعادة العلاقات الثنائية: هناك ترتيبات جارية لإعادة فتح السفارات وتبادل السفراء بين القاهرة وطهران.
- كبح الطموحات الإقليمية لإيران: من خلال الضغط عليها لوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول العربية.
- الحفاظ على المصالح الاقتصادية: عبر حماية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس التي تأثرت بشدة من التصعيد العسكري الإيرانيالإسرائيلي، إذ تدرك القاهرة أن استمرار الحرب يعني استنزافًا اقتصاديًا طويل الأمد، وتأثرًا مباشرًا لحركة الملاحة في قناة السويس، وارتفاعًا لمعدلات التضخم العالمي، وهو ما وصفته الخارجية المصرية بـ"نقطة لا بد من تجنبها قبل فوات الأوان.
وتتركز التحركات المصرية الحالية (حسب تصريحات السيد وزير الخارجية المصري الكفؤ والنشيط د. بدر عبد العاطي) على المحاور التالية:
- قيادة "المسار الثلاثي" للوساطة (مصر - تركيا - باكستان)، إذ تنسق القاهرة حاليًا مع أنقرة وإسلام آباد للعب دور "الوسيط النزيه" بين واشنطن وطهران.
- ترتيب مفاوضات مباشرة: عبر بذل جهود لعقد لقاءات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين في عواصم محايدة (مثل إسلام آباد) خلال الفترة القادمة.
- نقل الرسائل المتبادلة: إذ تقوم الدبلوماسية المصرية بنقل حزم من المقترحات بين ستيف ويتكوف (المبعوث الأمريكي) وعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، لتقريب وجهات النظر حول شروط وقف إطلاق النار.
- طرح مبادرة مدعومة من دول الخليج لدعم خيار الحوار والعودة إلى طاولة المفاوضات، فقد دعت وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي (23 مارس 2026) إلى انتهاز مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة كفرصة لتغليب لغة الحوار. وترتكز المبادرة المصرية وفق المعلومات المتاحة على النقاط الآتية:
- هدنة مؤقتة: تقترح مصر، بالتنسيق مع تركيا وباكستان، إعلان وقف إطلاق نار فوري ومؤقت لمدة 30 يومًا.
- ضمان المرور الحر والآمن في مضيق هرمز وباب المندب للملاحة التجارية الدولية.
- وقف كافة الهجمات الإيرانية (أو عبر الوكلاء) التي تستهدف دول الخليج والأردن كشرط أساسي لاستمرار الوساطة.
- البناء على "اتفاق القاهرة" الذي وُقع في سبتمبر 2025 لزيادة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم المستحدثة مقابل تخفيف مرحلي لبعض العقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة.
- المسار السياسي الإقليمي:
- بدء مشاورات حول &qut;الأمن الجماعي العربي"، وهو مقترح مصري لإنشاء قوة مشتركة أو آلية أمنية.
- تفكيك تدريجي لنقاط التوتر في الساحات الجانبية (مثل اليمن ولبنان) لضمان عدم امتداد الصراع.
- الاستعداد لاستضافة اجتماعات دولية تسهم في خفض التصعيد، وفقًا لما أعلنه وزير الخارجية المصري، وكذلك زيادة التنسيق الدولي عبر "دبلوماسية الهاتف".
تجدر الإشارة هنا إلى عدم تناول النقاشات أو التحركات الجارية التطرق إلى البرنامج النووي الإسرائيلي، أو كبح جماحها وهي (الوكيل الأمريكي في المنطقة)، أو السيطرة على نظرتها التوسعية وخطابها الرسمي الأيديولوجي المتطرف، أو حتى محاسبتها على ما ارتكبته من مجازر وإبادة جماعية أدانها العالم، وصدرت بحقها مذكرات توقيف من الجنائية الدولية.. ربما يتم تأجيل بعض النقاط لاتفاقيات الحل النهائي.. ربما.
- التحرك الرئاسي:
- لم تقتصر التحركات على المستوى الدبلوماسي، بل شملت نشاطًا رئاسيًا مكثفًا، فقد قام الرئيس السيسي بجولة خليجية طارئة لـ"دعم الأشقاء" شملت (أبوظبي، الدوحة، المنامة، والرياض) لتأكيد أن أمن الخليج "خط أحمر".
- التواصل المباشر مع طهران: تلقى الرئيس اتصالًا من نظيره الإيراني "مسعود بزشكيان" (13 مارس 2026)، أكد فيه الجانب المصري ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات وتجنب التصعيد العسكري.
الأهداف الاستراتيجية للموقف المصري:
- تعزيز صمود دول الخليج والأردن ضد الهجمات المباشرة.
- الوصول إلى "نقطة وسط" تمنع تدمير البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية.
- منع تفكك الموقف العربي تحت وطأة الاستقطاب الإيراني-الأمريكي.
- ضمان فتح الممرات المائية وتخفيف وطأة تأثير ذلك على الاقتصاد المصري.
إن نجاح المبادرة المصرية في هذا التوقيت الحرج لن يكون مجرد تهدئة عابرة، بل سيشكل انعطافة استراتيجية تعيد صياغة موازين القوى والتحالفات في المنطقة لسنوات قادمة، وفشلها قد يعني دخول المنطقة في نفق مظلم لا يُعرف منتهاه.
