مشروع "مليون قارئ"

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

سابقا، قدّمت مكتبة السندباد المتنقلة، إحدى المبادرات الناجحة التي أطلقتها جريدة "الرؤية"، تجربة مميزة في نشر ثقافة القراءة بين الأطفال في سلطنة عُمان، حيث كانت تتنقل بين ولايات السلطنة، حاملةً معها الكتب والقصص، وتقدم برامج وفعاليات تفاعلية جذبت الأطفال وشجعتهم على القراءة بطريقة مبسطة وقريبة من اهتماماتهم.

ولم يكن هذا الحضور مجرد نشاط عابر، بل تجربة تعليمية مباشرة يعيشها الطفل، يتفاعل فيها مع القصة، ويشارك في أنشطة ومسابقات تعزز ارتباطه بالقراءة وتفتح أمامه أبواب المعرفة.

وأذكر يومًا ما قاله حاتم الطائي، رئيس تحرير جريدة "الرؤية"، في إحدى تصريحاته: إن هذه المبادرات تنطلق من أهمية غرس حب القراءة في نفوس الأطفال منذ الصغر، مؤكدًا أن بناء علاقة الطفل بالكتاب يعد أساسًا مهمًا في تنمية قدراته الفكرية واللغوية، وإعداده لمستقبل يعتمد على المعرفة والوعي.

وفي ظل التغيرات التي يشهدها العالم اليوم، أصبحت الشاشات والأجهزة الذكية جزءًا كبيرًا من حياة الأطفال، وهو ما أثَّر بشكل واضح على مستوى الإقبال على القراءة، وجعل الحاجة ملحة لإيجاد مبادرات عملية تعيد التوازن، وتمنح الكتاب مكانته في حياة النشء، ومن هنا تبرز فكرة مشروع "مليون قارئ أطفال عُمان"، بوصفها خطوة وطنية تهدف إلى تحويل القراءة إلى عادة يومية، لا ترتبط فقط بالمدرسة أو المناسبات، بل تصبح جزءًا من حياة الطفل في كل وقت.

وقد أثبتت التجارب السابقة داخل السلطنة أن الطفل العُماني لديه قابلية كبيرة للقراءة متى ما توفرت له البيئة المناسبة والمحتوى الجذاب، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جذب الطفل مرة واحدة، بل في الاستمرار، بحيث تتحول القراءة إلى سلوك يومي ثابت. فالمشروع لا يهدف فقط إلى زيادة عدد القراء، بل يسعى إلى بناء جيل واعٍ، قادر على التفكير والفهم، والاستفادة من المعرفة في حياته اليومية، حيث تسهم القراءة في تطوير اللغة، وتنمية الخيال، وتعزيز مهارات التعلم.

ويعتمد نجاح هذا التوجه على تكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة والمجتمع، حيث يمكن للمدرسة أن تلعب دورًا أساسيًا من خلال تخصيص وقت يومي للقراءة، وتوفير بيئة مشجعة داخل الصفوف، وتنظيم برامج تحفيزية تعزز هذا السلوك لدى الطلاب. وفي المقابل، تمثل الأسرة العنصر الأهم في ترسيخ هذه العادة، من خلال تشجيع الأطفال، وتوفير الكتب المناسبة، وتخصيص وقت للقراءة داخل المنزل، بما يعزز ارتباط الطفل بالكتاب منذ سنواته الأولى.

ورغم أن التقنية تعد من أبرز التحديات، إلا أنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون وسيلة داعمة، من خلال تقديم محتوى رقمي مناسب للأطفال، مثل القصص التفاعلية والكتب الصوتية، بحيث يتم توظيفها بطريقة تخدم الهدف الأساسي، وهو تعزيز القراءة بأسلوب يتماشى مع اهتمامات الجيل الجديد. كما تظل المبادرات الميدانية، مثل المكتبات المتنقلة والفعاليات الثقافية، عنصرًا مهمًا في الوصول إلى الأطفال في مختلف المحافظات، وتقديم القراءة بشكل تفاعلي يترك أثرًا مباشرًا في نفوسهم.

إن نجاح مشروع بهذا الحجم يتطلب تعاون الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية والإعلامية، إضافة إلى دعم القطاع الخاص، حتى يتحول إلى برنامج وطني مستمر، يحقق أثرًا حقيقيًا على المدى الطويل. فالاستثمار في القراءة هو في جوهره استثمار في الإنسان، والإنسان هو الأساس في بناء أي مجتمع متقدم.

لقد أثبتت تجربة مكتبة السندباد أن الوصول إلى الطفل ممكن، وأن زرع حب القراءة ليس أمرًا صعبًا إذا توفرت الفكرة المناسبة والطريقة الجذابة. ومشروع "مليون قارئ أطفال عُمان" يمكن أن يكون امتدادًا لهذا النجاح، ولكن بشكل أوسع وأكثر تنظيمًا واستدامة، ليصل إلى كل طفل في مختلف مناطق السلطنة.

وفي النهاية، فإن بناء جيل قارئ لا يتحقق من خلال مبادرة مؤقتة، بل عبر عمل مستمر وتعاون مشترك، يؤمن بأن القراءة ليست خيارًا، بل ضرورة، وأن كل طفل يقرأ اليوم، يمتلك فرصة أفضل ليكون عنصرًا فاعلًا في بناء مستقبل وطنه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z