محمد بن سالم البطاشي
في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل والقلق الدولي وفي ظل حكومة فاشية عنصرية سيطرت على ناصية القرار وأخذته رهينة لنزواتها وأهوائها وأهدافها الخبيثة، أقدم الكنيست على إقرار قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، في سابقة تعكس تحوّلًا خطيرًا في بنية المنظومة القانونية والسياسية في الكيان. إن هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للاحتلال والصراع الممتد، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات جوهرية حول معنى العدالة وحدود القوة.
من حيث المبدأ، تمثل عقوبة الإعدام إحدى أكثر العقوبات إثارة للجدل في العالم، وقد اتجهت غالبية الدول إلى إلغائها أو تجميدها، إدراكًا لمخاطرها الأخلاقية والقانونية، وإمكانية إساءة استخدامها، لكن حين تُقر هذه العقوبة في سياق صراع سياسي وعسكري، فإنها تتحول من أداة قضائية -حتى لو كانت مثيرة للجدل- إلى وسيلة ردع ذات طابع انتقامي، وربما أداة تصفية تحت غطاء قانوني.
ما يثير القلق أكثر هو الطابع الانتقائي لهذا القانون، الذي يستهدف فئة محددة من الناس على أساس انتمائهم القومي والسياسي، وهذا القانون يضعه في مواجهة مباشرة مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يشدد على ضرورة المحاكمة العادلة وعدم التمييز، كما أن تطبيقه في بيئة تعاني أصلًا من اختلالات عميقة في ميزان العدالة يفتح الباب أمام أخطاء لا يمكن تصحيحها.
وسياسيًا، قد يُقرأ هذا القانون كرسالة داخلية موجهة إلى جمهور الكيان الذي يميل إلى التشدد ومستفيدا من حالة التعبئة الشديدة في ظل الصراع القائم حاليا في منطقة الخليج بين إيران وكل من أمريكا والكيان الصهيوني، لكنه في المقابل يحمل تداعيات خارجية خطيرة، فمن شأن إقرار هذا القانون أن يزيد من عزلة الكيان الصهيوني على الساحة الدولية، ويعزز الانتقادات الموجهة إليه من قبل منظمات حقوق الإنسان، وربما يدفع نحو تصعيد إضافي في الميدان، حيث تتحول القوانين القاسية إلى وقود جديد للصراع بدل أن تكون جسرًا نحو تهدئته.
أما على المستوى الإنساني، فإن إقرار مثل هذا القانون يعمّق دائرة الألم، ليس فقط للأسرى وعائلاتهم، بل أيضًا للمجتمع بأسره، الذي يُدفع تدريجيًا نحو تقبّل منطق الإقصاء والعقاب الأقصى كحل. وفي صراع معقّد كالذي تشهده المنطقة، فإن مثل هذه التشريعات لا تسهم في تحقيق الأمن بقدر ما تغذي مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام.
ولا يمكن لأي نظام قانوني أن يكتسب شرعيته من القوة وحدها، بل من قدرته على تحقيق العدالة والإنصاف، وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بدل أن يعزز هذه القيم، يبدو وكأنه يعكس أزمة عميقة في فهمها، إنه تشريع يطرح سؤالًا صعبًا: هل يمكن للعدالة أن تُبنى على حافة المشنقة؟
وعلى مستوى القانون الدولي يحظى أسرى الحرب بحماية واضحة في كلٍّ من القانون الدولي الإنساني والشرع الإسلامي، حيث يشتركان في مبادئ أساسية تقوم على الكرامة الإنسانية ومنع التعذيب وسوء المعاملة، بل والرفق بهم.
ويرتكز القانون الدولي على اتفاقيات دولية أهمها اتفاقيات جنيف (خصوصًا الاتفاقية الثالثة لعام 1949 الخاصة بأسرى الحرب)، وتتضمن بنودًا للحماية أهمها: المعاملة الإنسانية، حيث يُحظر تعذيب الأسرى أو إهانتهم أو تعريضهم للعنف، وتوفير الاحتياجات الأساسية: مثل الغذاء والماء والرعاية الطبية والمأوى، ومنع الإكراه، حيث لا يجوز إجبار الأسير على الإدلاء بمعلومات معينة، والاتصال بالعالم الخارجي مثل العائلة، ومحاكمة عادلة وفقًا لإجراءات قانونية عادلة، والإفراج بعد انتهاء الحرب.
معاملة الأسرى في الشرع الإسلامي
من سماحة الإسلام ولطفه ورحمته إنه سبق القوانين الحديثة في تنظيم معاملة الأسرى، كما ورد في القرآن والسنة، حيث اعتبرهم من الفئات الضعيفة، ومن أبرز المبادئ التي تنظم معاملة الأسرى في الشريعة الإسلامية:
1. الرحمة والإحسان: قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (سورة الإنسان).
2. تحريم التعذيب والإهانة وسوء المعاملة، حتى وقت الحرب.
3. ضمان الاحتياجات الأساسية مثل توفير الطعام والكساء: حيث كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتسابقون لتقديم الطعام والكساء للأسرى ويؤثرونهم على أنفسهم.
4. تشجيع الإفراج عن الأسرى، وقد نظم الإسلام التعامل مع الأسرى وفق أسس وخيارات ملؤها الرحمة تجسد سماحة ولطف الإسلام ومن أبرزها: المن وهو الإفراج المجاني عن الأسير، الفداء وهو الإفراج بالتبادل أو المال أو الاحتفاظ المؤقت بالأسرى وفقًا لمصلحة يراها ولي الأمر.
ولكن كيف يمكن التعامل مع هذا القانون العنصري الموغل في وحشيته من منظور قانوني، دبلوماسي، وإعلامي سلمي؟
في تقديري أن أبرز الطرق التي يستطيع من خلالها العرب والمسلمون والمجتمع الدولي الحر التحرك هي:
أولًا: التحرك القانوني الدولي باللجوء إلى مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لرفع قضايا وتوثيق الانتهاكات، وتفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في أي جرائم محتملة تتعلق بإعدام الأسرى، أو إساءة معاملتهم لأن ذلك قد يعد جريمة حرب استنادًا إلى اتفاقيات جنيف.
ثانيًا: الضغط الدبلوماسي والسياسي: عبر استخدام القنوات الدبلوماسية بين الدول للضغط من أجل وقف أي تشريعات تخالف القانون الدولي، وكذلك فرض أو المطالبة بعقوبات دولية عبر التحالفات السياسي وأخيرًا تنسيق المواقف داخل المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية و(منظمة التعاون الإسلامي).
ثالثًا: الإعلام والرأي العام: من خلال نشر الوعي عالميًا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل ونجوم الإعلام ودعم الصحافة الاستقصائية المؤثرة لتوثيق أي انتهاكات قانونية بحق الأسرى من أجل التأثير على الرأي العام في الدول المؤثرة، لأن الضغط الشعبي قد يغير السياسات ورأي الحكومات.
رابعًا: العمل الحقوقي والإنساني: عبر دعم المنظمات الحقوقية مثل (منظمة العفو الدولية) ومنظمة (هيومن رايتس ووتش)، من خلال توثيق الحالات بشكل دقيق لاستخدامها قانونيًا وكذلك تقديم الدعم القانوني للأسرى وعائلاتهم.
خامسًا: التحرك الشعبي السلمي: من خلال تنظيم مظاهرات سلمية واعتصامات قانونية وحملات مقاطعة اقتصادية أو أكاديمية ضمن الأطر القانونية أو التواصل مع البرلمانات وصناع القرار في الدول المختلفة.
إن هذه الأدوات، عندما تُستخدم بشكل منسق ومستمر، يمكن أن تُحدث تأثيرًا حقيقيًا على السياسات والقرارات الدولية، ولكن إذا لم تؤت هذه الإجراءات ثمارها فإن سبلًا عديدة وأوراقًا جديدة لا بد من استخدامها لإجبار العدو على التراجع عن غطرسته والتخفيف من غلوائه وعنصريته، ولكي يعلم يقينًا أنه لا بقاء له في منطقة أهلها يرفضونه جملة وتفصيلا ويتمنون له الزوال مع كل نفس يتنفسونه.
