د. أحمد بن علي المرهون
حين وصلت إلى كوالالمبور لمتابعة دراستي للدكتوراه، لم أكن أتوقع أن التجربة ستتجاوز حدود الجامعة إلى فهم أعمق لمعنى النهوض الحقيقي، فهناك لم يكن التعليم مجرد محاضرات أو شهادات، بل كان أسلوب حياة كامل ينعكس على سلوك الناس وطريقة تفكيرهم.
في ماليزيا، شعرت أن كل شيء يتحرك في اتجاه واضح: بناء الإنسان. هذا ما أدركته الدولة مبكرًا، خاصة في فترة قيادة مهاتير محمد، حيث تم الاستثمار في التعليم وغرس قيمة العمل وتعزيز الانضباط في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي الجامعة، كان الطالب مختلفًا، يدخل وهو يعرف ماذا يريد ويعمل على تحقيقه بخطوات ثابتة، لا ينتظر الفرص بل يصنعها، ولا يبرر التقصير بل يراجع نفسه ويبدأ من جديد، رأيت طلابًا يعملون ويدرسون في الوقت نفسه ويخططون لمستقبلهم بدقة ويتعاملون مع الوقت كأنه رأس مال لا يمكن تعويضه.
المجتمع كله يسير بهذا الاتجاه، هناك احترام للعمل مهما كان بسيطًا، وتقدير للعلم مهما كان تخصصه، تشعر أن كل فرد يؤدي دوره وهو مدرك أن جهده جزء من صورة أكبر تخص الوطن كله.
حين أعود بذاكرتي إلى هذه التجربة، أجد نفسي أفكر في الشباب في سلطنة عُمان، فالفرص موجودة والدولة وفَّرت الكثير من الإمكانيات والطريق مفتوح لمن يريد أن يتقدم، نعم التحدي الحقيقي، ولكن ليس في نقص الموارد بل في كيفية استثمارها.
إن النجاح يبدأ من الداخل، من قرار شخصي بأن تكون جادًا، أن تحترم وقتك وأن تطور نفسك باستمرار، فلا أحد يصل إلى القمة صدفة، وكل إنجاز وراءه ساعات طويلة من العمل والتعب والصبر.
ولقد علمتني التجربة الماليزية أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، لكنه يبدأ بخطوات صغيرة وبعادات يومية وبانضباط في أبسط التفاصيل، كما أن الطالب الذي يلتزم اليوم هو نفسه الذي ينجح غدًا.
يا شباب عُمان، المستقبل لا ينتظر أحدا، من يعمل يصل ومن يتأخر يبقى في مكانه، ولا تجعلوا الفرص تمر دون أن تستفيدوا منها، واجعلوا من التعليم طريقًا حقيقيًا للتغيير، ومن العمل وسيلة لبناء الذات، ومن الطموح دافعًا لا يتوقف.
إن الأوطان تتقدم بأبنائها وكل واحد منكم قادر أن يكون قصة نجاح إذا قرر أن يبدأ وأن يستمر وألا يتراجع.. فالطريق ليس سهلًا لكنه يستحق.
