سالم ربيع الغيلاني
في البيئة الرياضية العُمانية، لم تكن الأندية يومًا مجرد فرق تتنافس على النتائج، بل كانت امتدادًا طبيعيًا للمجتمع؛ مساحة يلتقي فيها الناس، وتتشكل عبرها روابط المكان والذاكرة والانتماء. من الحارات إلى المدرجات؛ فلعقود غير قليلة ظل النادي يمثل المجتمع بتطلعاته وأحلامه ونوازعه، أكثر مما يمثل الإدارة، ويُعرَّف بتاريخه وجمهوره قبل أن يُعرَّف بأسمائه المتغيرة.
لكن وخلال العقدين الأخيرين، بدأ هذا المعنى يتعرض لتشوه تدريجي، فبدل أن تُدار الأندية بوصفها كيانات مجتمعية مفتوحة، يستطيع أي ممن ينتمون لبيئتها الحاضنة أن يكون له دور توجيه سياساته والتأثير على قراراتها؛ برزت ممارسات تعكس فهمًا مختلفًا، أقرب إلى "التملك"، حيث تتعامل بعض الإدارات مع النادي كما لو أنه امتداد لها، لا كيان مستقل عنها.
ومع هذا التحول، لا يتغير فقط أسلوب الإدارة، بل يتغير تعريف النادي نفسه، ولقد فرضت التحولات الاقتصادية والاجتماعية واقعًا جديدًا غفل عن التعامل معه راسمو السياسات وواضعوا القوانين، فنتج عن ذلك ما نراه الآن من غلبة الفرد وقلة حيلة الجماعة.
فلم يعد الانتماء يُقاس بالارتباط بالنادي كهوية، بل بات في كثير من الحالات يُربط بالموقف من الإدارة. من يقف معها يُقدَّم بوصفه "المشجع الحقيقي"، ومن يختلف يُصنَّف خارج هذا الإطار، أحيانًا بوصفه معرقلًا أو حتى "مخربًا"، وهنا، يتحول النادي من مساحة جامعة لكل أبنائه إلى مساحة مشروطة، يُعاد فيها فرز الجمهور على أساس الولاء للأشخاص لا للكيان.
هذا التحول له أثر واضح في المجتمع الرياضي العُماني، الذي اعتاد على بساطة العلاقة بين النادي وجمهوره. فالجماهير هنا ليست جمهور مناسبات، بل جمهور مرتبط بالمكان، بالحي، بالتاريخ المشترك، وحين يشعر هذا الجمهور أن النادي لم يعد يمثله كما كان، وأنه أصبح أقرب إلى دائرة مغلقة حول أسماء بعينها، فإن رد الفعل لا يكون صداميًا بالضرورة، بل غالبًا ما يكون انسحابًا هادئًا؛ وهذا ما بدأ يظهر في بعض الحالات: مدرجات أقل امتلاءً، تفاعل أقل، واهتمام يتراجع تدريجيًا. ليس بسبب ضعف النتائج فقط، بل بسبب شعور متنامٍ بأن النادي لم يعد يعكس الجميع، بل يعكس مرحلة أو أشخاصًا، وهذه الهجرة الصامتة للجماهير تُعد من أخطر ما يمكن أن تواجهه الأندية، لأنها تمس جوهر وجودها، لا مجرد أدائها.
وفي المجتمع العُماني، حيث تقوم العلاقات على التوازن والاحترام المتبادل، يصبح الإقصاء – حتى لو كان غير مباشر – عاملًا حساسًا. وحين يُطلب من المشجع أن يثبت انتماءه عبر الاصطفاف مع إدارة معينة، فإن ذلك يتعارض مع الفكرة الأصلية للنادي بوصفه كيانًا يتسع للجميع. فالمشجع العُماني قد يختلف، وقد ينتقد، لكنه لا يقبل أن يُختزل أو يُصنَّف خارج ناديه.
المشكلة هنا ليست في وجود إدارات تسعى للنجاح، بل في الطريقة التي تُعرِّف بها علاقتها بالنادي وبجمهوره. فالإدارة، بطبيعتها، مرحلة مؤقتة، بينما النادي حالة مستمرة. وعندما تختلط هذه المعادلة، ويتحول المؤقت إلى مركز، والدائم إلى هامش، يبدأ الخلل في الظهور. كما أن ضعف الأطر المؤسسية الواضحة في بعض الأندية يسهم في تعزيز هذا التداخل. فغياب الحوكمة الفاعلة، وضعف ثقافة تداول المواقع، يفتح المجال أمام ترسيخ فكرة أن النادي يُدار بمنطق الأشخاص لا بمنطق الأنظمة. ومع الوقت، يصبح من الصعب الفصل بين القرار المؤسسي والحضور الشخصي.
إن استعادة التوازن في البيئة الرياضية العُمانية تتطلب إعادة التأكيد على أن النادي ليس ملكًا لأحد، ولا واجهة لأحد، بل هو كيان مجتمعي يجب أن يُدار بروح الشراكة، لا بروح الاحتكار. كما تتطلب خطابًا إداريًا يعيد توجيه الانتماء نحو الكيان، لا نحو الأشخاص، ويعترف بالجمهور بوصفه أساس النادي، لا تابعًا له.
وفي النهاية، يبقى المعيار بسيطًا في جوهره: النادي الذي يضيق بجمهوره، يفقد نفسه قبل أن يفقدهم. أما النادي الذي يتسع لاختلافهم، ويحافظ على كونه مظلة للجميع، فهو وحده القادر على البقاء. ففي عُمان، حيث الانتماء يُبنى عبر الزمن، لا يمكن لأي كيان أن يستمر إذا فقد علاقته الصادقة بأهله.
