عبدالخالق بن محمد آل عيسى
ثمة مواقف لا تقبل الرمادية، وثمة حروف تُصاغ لتكون بمثابة "الكلمة الفصل"؛ تلك الكلمة التي تشبه السيف الحاد في دقته، فلا تخطئ ضربته القلوب مهما تذرعت بالأوهام. وفي أوقات الأزمات الكبرى، يتضاعف وزن الكلمة وتأثيرها، لا سيما حين تصدر عن طرفٍ مشهود له عالمياً بالحكمة والرزانة والعمل الدؤوب على نزع فتيل النزاعات؛ طرفٌ نجح بصدقه وثبات مبادئه فيما عجزت عنه أمم في مجالسها، ودول في قصورها، ومنظمات تاهت بين أروقة مكاتبها وحساباتها الضيقة.
إن "الكلمة" اليوم تمثل مسؤولية تاريخية باهظة الأثمان، خاصة وهي تُلقى في وجه غطرسةٍ غاشمة لا تقبلُ حتى همس الرفض من أقرب حلفائها. فكيف يكون حالها وهي تواجه حقيقةً ناصعة كشفها "محايدٌ" بصير، هتك ستر ما كان يُحاك في غرف المفاوضات المظلمة التي طالما تعرضت مواثيقها للغدر والالتفاف؟
لقد جاءت هذه الكلمة بقوةٍ أذهلت صُنّاع القرار، وهم يقلبون أوراقاً لم يجف حبرها بعد؛ إذ كشفت بوضوحٍ لا لبس فيه حجم الخيوط والمؤامرات التي تُنسج في الخفاء والعلن تحت ستار "الأحلاف". وهي الكلمة ذاتها التي منحت البصيرة للكثيرين لرفض الانزلاق في متاهات معقدة لا تجر سوى الخراب، ولا تخدم في محصلتها سوى "كيانٍ" دخيل يقتات على تمزيق وحدة المنطقة ونسيجها. اليوم، انقشع الضباب وزال العمى، ولم يعد المشهد خافياً على عاقل، وباتت الحقائق عارية أمام الجميع.. "وعلى عينك يا تاجر".
هذا الصمود في وجه التزييف استدعى تحركات مريبة لـ"طيور خبيثة" انطلقت من أعماق البحار، حيث تكمن مصالح القوى الكبرى (العجول البحرية السمان)؛ تلك القوى التي لم تأتِ إلا لمآربها الخاصة، متجاهلةً حقوق أهل هذه البراري الشاسعة الغنية بخيراتها، والمقدسة بإنسانها وتاريخها وترابها.
ورغم محاولات "ساكن البيت" الإيحاء بأن ثبات المواقف على قمم الجبال قد اعتراه الضعف، إلا أن ذلك ينم عن جهلٍ عميق بطبيعة هذه الأرض وجبالها الراسية؛ الجبال التي طالما لفظت الغزاة، وهبّت بعزيمة لا تلين للدفاع عن الجوار وكسر أيدي الطغاة. إن الكلمة التي نشرت قيم الإسلام والسلام على ضفاف المحيطات قديماً بلا سلاح، هي ذاتها "كلمة الحق" التاريخية التي لن تتوقف اليوم ولا غداً مهما بلغت التضحيات.
إن الكلمة التي ندفع ثمنها اليوم هي "الكلمة الذهبية" التي لا تقبل المقايضة ولا تُباع في أسواق العملات والمصالح العابرة. وستبقى في ميزان التاريخ هي القيمة الأعلى والأثمن، لأن جوهرها ثابت، ومقصدها الأول والأخير هو تحقيق السلام العادل والشامل الذي يحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم.
