المشهد الثقافي بين التوجهات والواقع

 

 

محفوظ بن راشد الشبلي

Mahfood97739677@gmail.com

تتجلى الفعاليات المختلفة في تجسيد المشهد الثقافي وتنشيط حِراكه في شتَّى مجالاته المختلفة، ونجد في كل محفل وفي كل اتجاه وزاوية نشاط يطغى على الواجهة، وهي ظاهرة صحيّة ورائعة من حيث المضمون والمبدأ، بل وتُنبئ وتُبشّر بتوجّه فكري وغذاء روحي في رفع مستوى الوعي الثقافي لدى الفرد والمجتمع في كافة المجالات.

وفي خِضم ما تدور فيه حركة الثقافة العامة وبالأخص في فصل الشتاء من مهرجانات وملتقيات وأمسيات وتجمعات ثقافية، وبرغم النمو المتسارع في منظومتها وبروزها القوي على الساحة، إلا إن بعض من شرائح المجتمع للأسف لا زال ينزوي تحت مظلة الجِهل بها وبتوجّهاتها، ويُصر على بقاءها خارج دائرة اهتمامه ويطغى عليه توجّه اللامبالاة عنها، وهذا بشكل عام يُترجم ضعف في التحصيل الفكري والكسب الثقافي والمعرفي وتأخّر في التطوير الذاتي.

فبينما من ينتظر تلك الأحداث ويسأل عنها وعن مواقيتها وأماكن انعقادها لحضورها والاستفادة منها، تجد البعض ولو وجّهت له دعوة لحضورها يعتذر أو يراوغ عن حضورها وكأنه ليس بحاجة لها، بينما هي غذاء للروح والعقل والفكر، وهي مدارس للتَعلّم وكسب المُفيد منها والانتفاع بمعروضها وبمحتواها، وهي تثقيف عام وشامل لرفع مستوى الوعي الثقافي والعِلمي والمُجتمعي، ورافد تعليمي في كيفية التعامل بين أفراد المجتمع بمنظور ثقافي عالي يُسهّل عملية التحدّث والرد والتلقّي والتعامل بثقافة عالية بين أفراد المجتمع.

ويتضح ذلك جليًا عندما يُحدّثك شخص أو يتعامل معك، أو عندما يواجه مشكلة أو معضلة ألمّت به، أو موقف صعب مر عليه من مواقف الحياة، فتجد ردة فعله السلبية تطغى على تصرفه وأقواله وأفعاله، فالتعامل مع الأحداث يصعب على من اكتفى بعِلمه المحدود وسد على نفسه باب كسب ثقافة التكيّف مع الأحداث والتثقّف في كيفية مُعالجتها والتصرف مع معضلاتها، لأن التثقّف في كافة المجالات يُغذي عقلية الإنسان ويُكيّفه مع أحداثها وتقلباتها بصورةٍ صحيحة، أما سياسة الاكتفاء بثقافة العِلم الواحد أو التوجه الواحد أو التخصص الواحد والشهادة الواحدة فهي تبقى سياسة ناقصة في مضمونها وفي منظومة التعاملات في هذه الحياة.

إن الاكتفاء بمادة الفكر المكتسب الواحد والانغلاق عليه لهي أزمة فكرية تُعاني منها شرائح كبيرة في المجتمعات المدنية التي يغلب عليها التعاملات المتعددة، لأن التصرف السليم والتحدث الأخلاقي والتعامل المنطقي والتحلّي بالسمت الأصيل واللباقة، هو ثقافة مجتمعية مُكتسبة من الأُسرة والبيئة ومن الحي ومن المدارس التعليمية، ويتم تطويرها من خلال الجلوس للاستماع والتعلّم، وهو منهج نبوي تخرّج منه الصحابة والتابعين لهم من خلال حِلق الذكر لتدارس القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، ومنها تخرج علماء الحديث والفقه والسنة وقرّاء كتاب اللّه، ونبغ من خلالها عُلماء الفكر في شتّى العلوم من ماضي الزمان حتى وَصلَنَا عِلمهم ليومنا هذا، فلم تكن هُناك أدوات تعليمية كما هي في وقتنا الحاضر سوى السعي والجلوس والاستماع لكسب العِلم والمعرفة، فقد كان البعض يقطع مسافات طويلة مسافرًا ليحضر درسًا وليتعلم حديثًا وليفهم شرحًا لتفسير آية أو سورة من القرآن الكريم، فما بال القوم ينفرون عن كسب المُفيد والمتاح لتطوير ذاتهم الثقافي والعِلمي في بيئة سهلة ومُريحة لحضور ندوة أو محاضرة أو ملتقى أدبي وثقافي قريبًا منه يفيد به نفسه وأسرته ومجتمعة.

وخلاصة القول هو إن الشهادة العِلمية وحدها لا تكفي لتقف عندها في هذه الحياة، فهي ربما شهادة مِهنة ومعيشة ليس إلّا، أما الحياة الحقيقية فهي كسب المعرفة في شتّى المجالات لكي يكون الفرد نافعًا لنفسه ولأهله وذويه ولمجتمعه أينما كان وفي كل زمانٍ ومكان، وكما قال بيت الشعر المنسوب للإمام الشافعي: تعلم فليس المرء يولد عالماً، وليس أخو علم كمن هو جاهل.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z