حيدر بن عبدالرضا اللواتي
أسئلة عديدة يطرحها المراقبون حول نتائج هذه الحرب الماكرة العبثية التي أشعلتها الصهيوأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، والتي مضى عليها اليوم أكثر من شهر، ليلقى العديد من الأبرياء حتفهم بسبب هذه الحرب العنجهية.
وهناك العديد من النتائج والتداعيات الاقتصادية السلبية لهذه الحرب نتيجةً للاحتياجات الملموسة للدول، سواء في المنطقة الخليجية أو خارجها، خاصةً من السلع والبضائع والاحتياجات الضرورية من الطاقة والغذاء والدواء خلال الفترة القادمة، فالأوضاع الحالية للحرب الجارية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بما يعيشه العالم الآن اقتصاديًا وسياسيًا، والتي تنعكس بسرعة على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية.
فالدول تعاني اليوم من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب الأزمة القائمة بمضيق هرمز الذي تشرف عليه جمهورية إيران الإسلامية وسلطنة عُمان، حيث من المعتاد أن يمر خلال هذا المضيق الاستراتيجي المهم نحو 20 % من النفط للعالم تقريبًا، إلا أن الشحنات وحركة الملاحة والبواخر تراجعت فيه بصورة كبيرة، حيث فُرض اليوم حصارٌ خانق على مضيق هرمز عطَّل نحو 95 % من حركة المرور (10-13 مليون برميل يوميًا)، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بسعر يتجاوز اليوم 100 دولار، ووصلت إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل، فيما بدأت الدول تعاني نقصًا كبيرًا في إمدادات الطاقة من النفط والغاز وبعض المواد الكيماوية والسلع الغذائية وغيرها من المنتجات الضرورية الأخرى. ومع التصعيد للحرب، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف الكهرباء، بالإضافة إلى زيادة التضخم عالميًا.
كما تؤدي هذه الحرب إلى حصول أزمة في سلاسل الإمداد العالمية وعلى التجارة الدولية والبحرية، وحركة المواد الصناعية بسبب ارتفاع تكاليف الشحن البحري، وتأخر وصول المواد الخام، وارتفاع أسعار المعادن المستخدمة في الصناعة والبطاريات والرقائق الإلكترونية، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة الخارجية لإنتاج وتصدير السيارات والإلكترونيات، والصناعات الغذائية، بجانب الصناعات العسكرية.
أما التأثيرات الأخرى للحرب فتنسحب على الأسواق المالية العالمية واهتزازها، وتراجع مؤشرات الأسهم العالمية، ودخول بعض الأسواق مرحلة تصحيح، وحال تفاقم هذه الأزمة فإن احتمالات حصول الركود العالمي تلوح في الأفق إذا طال أمد الحرب، وأن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز والوقود عالميًا وحصول أضرار للاقتصادات في أوروبا وشرق آسيا والدول المستوردة للطاقة عمومًا، فهناك اليوم الكثير من الدول المستوردة للطاقة التي بدأت تتضرر بصورة كبيرة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية، حيث تواجه تلك الدول ارتفاعًا في فواتير الطاقة، ونقصًا في الوقود، وزيادةً في التضخم، فيما اتخذت دول أخرى إجراءات الطوارئ لديها بسبب زيادة المخاطر الأمنية وتهديد الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. أما الدول النامية والفقيرة فإنها بدأت تتعرض للكثير من المشاكل، منها ارتفاع أسعار الغذاء وتكلفة النقل وتراجع قيمة العملات لدى بعضها، بالإضافة إلى حصول نقص لديها في السلع الأساسية بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية.
إن الوقائع الحالية تشير إلى أن الأزمة الحالية للحرب مرشحة للتصعيد خلال الفترة القادمة إذا لم يتم الاحتواء والتوصل إلى السلام الذي يحقق العدالة للجميع في المنطقة وخارجها، والاعتراف بحقوق الآخرين وعدم إشعال الحروب وفق الرغبات الصهيوأمريكية، وإلا فإن العالم مقبل على أزمة طاقة عالمية وركود اقتصادي واسع واضطرابات في عملية نقل المواد الغذائية والصناعية والأدوية وسائر الاحتياجات الضرورية للإنسانية.
ومن المحتمل أن تواجه المنطقة الخليجية مخاطر اقتصادية جمّة وتوترات أمنية إقليمية وضغوطات على التجارة البحرية، وتأثيرات ومخاطر كبيرة على عملية الاستيراد والتصدير لمختلف السلع. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز يعد الأخطر والأكبر في هذه الحرب، بجانب تعثر عملية دخول المواد الغذائية والصناعية، فأي إغلاق كلي للمضيق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري وتأخير وصول المواد الغذائية وتعطّل سلاسل الإمداد الصناعية وتوقف صادرات الطاقة والبتروكيماويات لبعض الدول، وبالتالي تسجيل الاقتصادات الخليجية مزيدًا من الخسائر اليومية خلال الفترة القادمة، وهذا سوف يؤدي إلى حدوث نتائج سلبية على المدى الطويل في ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة وتقلب الميزانيات الحكومية واضطراب التجارة العالمية وتأثر البنية التحتية للمنطقة بسبب تراجع مصانع الحديد والصلب في الإنتاج، وكذلك مصانع الغاز المسال والفحم الصناعي والبتروكيماويات وغيرها.
إن مخاطر الركود الاقتصادي العالمي كبيرة في حال تم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، إذ سيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط فوق مستويات تقارب 200 دولار للبرميل، وهو مستوى قد يسبب ركودًا عالميًا، وسوف ينعكس مباشرة على الطلب على صادرات المنطقة. كما أن مثل هذه الحروب ستؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني للمنطقة ودول العالم في السنوات المقبلة، الأمر الذي سيؤدي إلى أن تتحول الميزانيات نحو الأمن والدفاع والتراجع في الإنفاق التنموي، وتأخر مشاريع البنية الأساسية.
