صمت الحكمة

 

 

سيف بن سعود المحروقي

في هذه الأيام، أصبحت المعلومات تتدفق بسهولة، وتنهمر من كل حدب وصوب بلا انقطاع، وأصبح التحدي في القدرة على تمييزها واستنباط معناها الحقيقي.

فكرت في هذا الموضوع، وأنا أقرأ ما أرسله لي زاهر المحروقي عن مقولة المفكر عبد الكريم بكار: "كلما زاد الاتصال بالشبكة، زاد الانفصال عن الواقع؛ فالحصول على المعلومة أصبح سهلًا إلى درجة أفقدتها قيمتها، بينما بات الاستنتاج الصحيح هو المهارة الأغلى.. نحن نغرق في البيانات لكننا نعاني من مجاعة في الحكمة".

لقد أصبح الإنسان محاطًا بفيضٍ هائل من الأخبار والتحليلات، لكنه في المقابل يفتقر إلى البوصلة التي تقوده نحو الفهم العميق والتقدير المتزن، فسهولة الوصول إلى المعلومة أضعفت هيبتها، وجعلت الاستنتاج السليم مهارة نادرة لا يجيدها إلا من يمتلك القدرة على التأمل وربط المعطيات بسياقها الأوسع.

ومن هنا، أصبح الرهان الحقيقي في استعادة فضيلة التفكير الهادئ؛ ذلك التفكير الذي تُصاغ فيه الحكمة بعيدًا عن ضجيج التدفق الرقمي وتسارع الأحداث.

وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، بدا وكأن الضجيج يعلو على صوت الحكمة، وأن المساحات التي كان يفترض أن تُدار بالعقل والبصيرة أصبحت في كثير من الأحيان رهينة خطابات نرجسية ورؤى قصيرة النظر، ولا يعني ذلك أن الحكمة قد اختفت، بل إنها تتوارى في اللحظات الصاخبة، وتظهر فقط مواقف يقودها أفراد أو مؤسسات تضع مصالحها القومية فوق الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الحكمة بقدر ما يتمثل في ضعف حضورها وتأثيرها.

إن إعادة الاعتبار للقيم التي تعظم من شأن المسؤولية والضمير، وتقاوم إغراءات السطحية، وتمنح العقل مساحة ليرى أبعد من لحظة الصراع، هي ضرورة أخلاقية، للحفاظ على التوازن في عالم مضطرب.

ويغلب على عالم اليوم منطق المصالح، ولا سيما الاقتصادية منها، حتى كادت القرارات الكبرى تختزل في حسابات الربح والخسارة، بمعزل عن القيم والأخلاق. هذا الاختلال يعكس خللًا في ترتيب الأولويات، حيث تُقدَّم العوائد السريعة على المصلحة الأعمق والأبقى، وهي مصلحة الإنسان.

إن أزمة عصرنا ليست في وفرة المعرفة، ولا في قوة المصالح، بل في غياب الميزان الذي يضبطهما معًا، فحين تنفصل المعلومة عن الحكمة والقيم، يفقد الإنسان بوصلته ويصبح عرضة للتيه، ولذلك فإن الطريق إلى استعادة التوازن يمر عبر وعيٍ أعمق، وتأملٍ أصدق، وإحياءٍ لقيم المسؤولية والضمير، عندها فقط تتحول المعرفة إلى نور، وتصبح المصلحة وسيلة لا غاية، ويستعيد الإنسان مكانته كصانعٍ للمعنى لا مجرد مستهلكٍ له.

إن وفرة المعلومات بمجرد ضغطة على زر واحد، أضعفت قدرة الإنسان على التفكير والابتكار والإبداع، لذا فإن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات التعليمية كبيرة لتكوين جيل يفكر وينتج لا يكتفي بالنقولات فقط.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z