أين الخطأ.. ومن المسؤول؟

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

مرّت علينا نفحات شهر رمضان المبارك، تلك الأيام التي تُهذّب الروح قبل أن تُهذّب السلوك، وتُعيد ترتيب الداخل قبل أن تُجمّل الخارج، فهنيئًا لمن استغلها حق الاستغلال، وخرج منها بقلبٍ أخفّ، ونفسٍ أصفى، وروحٍ أقرب إلى الله. ثم جاء عيد الفطر، كعادته، يحمل معه فرحًا بسيطًا لكنه عميق، فرح اللقاءات، وفرح الأهل، وفرح التفاصيل التي لا تُشترى، بل تُعاش.

لكن، وبين تلك المشاهد الجميلة، توقّفت طويلًا عند مشهدٍ بدا صغيرًا في ظاهره، لكنه كبير في معناه؛ مشهد التحية بين الأبناء وأقاربهم، خصوصًا في أيام العيد. رأيت بعض الأبناء يمدّ يده ببرود، أو يكتفي بمصافحة عابرة، أو يمرّ وكأنه يؤدي واجبًا ثقيلًا لا لقاءً يحمل معنى. ورأيت في المقابل أبناءً آخرين، تختلف تحيتهم، فيها دفء، وفيها تقدير، وفيها حضور حقيقي يُشعرك أن هذه العلاقة ليست مجرد صلة دم، بل صلة قيمة.

وهنا السؤال: أين الخلل؟ ومن المسؤول؟

ولأن الإجابة لا تحتاج تعقيدًا، فإن أول الطريق يبدأ من البيت. فالأبناء لا يولدون وهم يعرفون كيف يُحيّون، ولا كيف يُقدّرون، ولا كيف يفرّقون بين القريب والبعيد، بل يتعلمون ذلك من خلال ما يرونه قبل ما يُقال لهم. حين يرى الابن والده يُقدّر الكبير، ويُحسن التحية، ويمنح كل شخص مكانته، فإنه يتشرّب هذا السلوك دون أن يُطلب منه ذلك. أما حين يغيب هذا النموذج، فإن التحية تتحول إلى حركة عابرة بلا روح، وإلى عادة بلا معنى.

ومن زاوية أخرى، هناك سبب مهم يغفل عنه كثير من الآباء، وهو غياب الأبناء عن المجالس. فالمجالس ليست مجرد أماكن للجلوس، بل مدارس غير معلنة، يتعلم فيها الأبناء كيف يُنصتون، وكيف يُحيّون، وكيف يقدّرون الكبير، وكيف يتحدثون بوعي واتزان. وحين لا يُؤخذ الأبناء إلى هذه المجالس، فإنهم يُحرمون من بيئة حيّة تُغرس فيها القيم عمليًا، لا نظريًا. ومع مرور الوقت، ينشأ الابن وهو لا يمتلك هذا "السمت" الذي كان يُكتسب بالمخالطة، فيبدو سلوكه جافًا أو غير مكتمل، ليس لخلل فيه، بل لغياب التجربة التي تُهذّبه.

ومن هنا، فإن القضية ليست في "طريقة المصافحة" بقدر ما هي في "معنى المصافحة". لأن التحية في ثقافتنا ليست مجرد حركة يد، بل رسالة احترام، وتعبير عن تقدير، وإعلان غير مباشر بأن هذا الشخص له مكانة في القلب قبل أن تكون له مكانة في المجتمع.

ولذلك جاء التوجيه النبوي العميق في قوله: "أنزلوا الناس منازلهم"، وهو توجيه لا يقف عند حدود المجالس، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل التعامل، بدءًا من التحية وانتهاءً بأدق صور التقدير. فلكل إنسان مقامه، ولكل علاقة وزنها، ومن الحكمة أن نُعلّم أبناءنا كيف يُدركون هذه الفروق، لا بالتكلّف، بل بالفهم.

وحين نتأمل في بعض النماذج المشرقة في مجتمعنا، نجد أن السمت الأصيل لا يُدرّس بقدر ما يُعاش. نرى ذلك في سلوك من تربّى على القيم، حيث تنعكس التربية في أبسط التفاصيل، في طريقة السلام، وفي نبرة الصوت، وفي حضور الاحترام قبل أي شيء آخر. وهذه النماذج ليست بعيدة عنا، لكنها تحتاج أن نلتفت إليها، لا أن نمرّ عليها مرور العابر.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال دور المجتمع بمؤسساته المختلفة. فكما نحرص على الحديث عن القيم الكبرى، فإننا بحاجة أيضًا إلى تسليط الضوء على التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل هذه القيم. لماذا لا تكون هناك مساحة أكبر في المحاضرات والندوات للحديث عن السلوكيات اليومية؟ لماذا لا نُعيد الاعتبار لهذه الجزئيات التي تُبنى منها صورة الإنسان؟

ومع ذلك، يبقى الأساس ثابتًا لا يتغير: التربية تبدأ من البيت، وتنمو في المجتمع، وتستقر في شخصية الإنسان. فإذا أُهملت في بدايتها، صعب تداركها في نهايتها.

ولا يعني هذا الحديث التعميم أو التقليل من شأن أحد، فمجتمعنا ولله الحمد مليء بالنماذج الراقية التي تُجيد التعامل، وتُحسن التقدير، وتُعلّم أبناءها قبل أن تُوجّههم. لكن الإشارة إلى الخلل لا تعني غياب الخير، بل تعني الرغبة في الحفاظ عليه.

ولعل الأهم من كل ذلك، أن ندرك أن أبناءنا لا يحتاجون إلى كثرة التوجيه بقدر ما يحتاجون إلى وضوح القدوة، وإلى بيئة يعيشون فيها القيم لا يسمعونها فقط.

تبقى التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة. والتحية، وإن بدت لحظة عابرة، إلا أنها تكشف عمق التربية، وصدق القيم، وحضور الاحترام في النفس. فإذا أردنا أن نحافظ على أصالة مجتمعنا، فعلينا أن نُعيد أبناءنا إلى المجالس، وأن نُعيد القيم إلى ممارساتنا اليومية… لأن البداية الحقيقية دائمًا تكون من هناك.

الأكثر قراءة

z