شرط التهدئة في التحكيم الاستثماري.. إجراء شكلي أم قيد على الاختصاص؟

الدكتور بدر المسكري*

يُعد التحكيم الاستثماري الدولي من الوسائل المفضلة لتسوية المنازعات بين الدولة المضيفة والمستثمر الأجنبي، لما يوفره من مزايا مهمة، في مقدمتها الحياد والسرعة والسرية، غير أن هذا المسار لا يكون مفتوحًا على إطلاقه؛ إذ تتضمن العديد من الاتفاقيات الاستثمارية قيدًا إجرائيًا سابقًا يتمثل فيما يُعرف بـ“فترة التهدئة” (Cooling-Off Period).

ويقوم هذا الشرط على إلزام طرفي النزاع بالانتظار مدة زمنية محددة—غالبًا ما تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر—قبل اللجوء إلى التحكيم، وتُحتسب هذه المدة من تاريخ الإخطار الكتابي بنشوء النزاع. والمقصود من ذلك ليس تعطيل الفصل في النزاع، بل إتاحة فرصة حقيقية للحوار والتفاوض، بما قد يفضي إلى تسويته وديًا دون الحاجة إلى إجراءات تحكيمية.

وتبرز أهمية هذا الشرط في الواقع العملي؛ فكثير من المنازعات الاستثمارية لا تعكس خلافًا قانونيًا معقدًا بقدر ما تعود إلى ضعف في التواصل أو إلى قرارات إدارية قابلة للمراجعة. ومن ثم، فإن منح الأطراف مهلة للتشاور قد يكون كافيًا لاحتواء النزاع. كما أن هذا الشرط ينسجم مع توجه الدول إلى ترشيد اللجوء إلى التحكيم، لما قد يرتبه من آثار تتصل بالسيادة والتنظيم العام، فضلًا عن إمكانية استخدامه أحيانًا كأداة ضغط تفاوضي من قبل المستثمر. وفي المقابل، يتيح هذا القيد مساحة لحوار أكثر هدوءًا، بما يحافظ على العلاقة الاستثمارية ويجنب الأطراف نزاعًا مفتوحًا.

ورغم وضوح هذه الوظيفة، فإن بساطة الشرط تخفي وراءها إشكالًا قانونيًا مهمًا، يتمثل في الجدل حول طبيعته: هل هو مجرد إجراء شكلي يسبق رفع الدعوى، أم أنه يرتبط بجوهر اختصاص هيئة التحكيم؟ وهو جدل يعكس تباينًا بين اتجاهين؛ أحدهما يميل إلى التشدد في احترام ما اتفق عليه الأطراف، والآخر ينظر إلى الغاية العملية من الشرط ومدى جدواه في تحقيق العدالة.

ففي اتجاه أول، يُنظر إلى شرط فترة التهدئة على أنه شرط لاختصاص هيئة التحكيم ذاتها. فموافقة الدولة على التحكيم—وفق هذا الرأي—تظل معلقة على احترام هذه الفترة، وبالتالي فإن اللجوء إلى التحكيم قبل انقضائها يعني أن هذه الموافقة لم تكتمل بعد. وقد عبّرت بعض هيئات التحكيم عن هذا التوجه بوضوح؛ ففي إحدى القضايا ضد الإكوادور، اعتُبر أن عدم الالتزام بفترة التهدئة يعني أن موافقة الدولة على التحكيم لم تتبلور، ومن ثم لا تملك الهيئة النظر في النزاع إذا رُفع قبل أوانه.

في المقابل، يذهب اتجاه آخر إلى أن شرط التهدئة لا يمس الاختصاص، بل يتعلق بقبول الدعوى فقط. فاختصاص هيئة التحكيم ينعقد بمجرد توافر الرضا، غير أن الدعوى قد تكون غير مقبولة مؤقتًا لعدم استيفاء إجراء سابق. ويستند هذا الاتجاه إلى اعتبارات عملية واضحة؛ فالإصرار على عدم قبول الدعوى رغم انقضاء فترة التهدئة أثناء نظرها لا يؤدي إلا إلى تعطيل العدالة. وقد أخذت بعض هيئات التحكيم بهذا المنحى، كما في النزاع بين شركة سويسرية ودولة باكستان، حيث رأت الهيئة أن شرط التهدئة يمثل عقبة إجرائية لا تمس الاختصاص، وأن الانتظار الشكلي في هذه المرحلة لن يحقق تسوية، بل سيؤدي فقط إلى تأخير الفصل في النزاع.

وبين هذين الاتجاهين، يكشف التطبيق العملي عن بعض الصعوبات؛ من أبرزها تجاوز الأطراف لهذا الشرط واللجوء المباشر إلى التحكيم، أو غموض صياغته في بعض الاتفاقيات، فضلًا عن احتمال أن يؤدي الالتزام الحرفي به إلى تأخير معالجة نزاعات تستدعي تدخلاً عاجلًا.

ختامًا، لا يمكن النظر إلى شرط "فترة التهدئة" باعتباره مجرد قيد زمني بسيط، بل هو أداة تعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احترام النصوص التعاقدية من جهة، ومراعاة الاعتبارات العملية من جهة أخرى. ومن ثم، فإن الأفضل لأطراف عقود الاستثمار أن يحددوا طبيعته صراحة في نصوصهم، مع تفعيل وسائل مثل الوساطة خلال هذه الفترة، حتى لا تتحول إلى مجرد انتظار شكلي، بل إلى فرصة حقيقية لتسوية النزاع.

*كلية الحقوق- جامعة السلطان قابوس

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z