ما بعد إيران: هل تتغير قواعد اللعبة في المنطقة؟

د. إبراهيم بن سالم السيابي

لم أكن أنوي الكتابة في هذه المرحلة، ربما لأن ضجيج الأحداث صار أعلى من قدرة الكلمات، أو لأن المشهد بات معقدًا إلى درجة يصعب معها إصدار حكم متوازن. لكن، وفي لحظة مراجعة، بدا أن الصمت — أحيانًا — قد يكون تراجعًا، لا حيادًا. ومن هنا جاءت هذه المحاولة… لا للانحياز، بل للفهم.

في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، لم تعد الحرب مجرد خبر عابر، بل أصبحت الشغل الشاغل للناس، وحديث المجالس، وقلق البيوت. لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟

ومن بين كل الأسئلة، يبرز سؤال لا يطرحه السياسيون بقدر ما يتداوله الناس في بساطتهم وقلقهم: ماذا لو خرجت إيران من معادلة القوة الإقليمية في هذه الحرب القائمة مع إسرائيل والولايات المتحدة؟

هو ليس سؤال خبراء، بل سؤال أبٍ يخشى على أبنائه، وشابٍ يفكر في مستقبله، ومواطنٍ لا يعنيه من السياسة إلا ما تمسّه من حياته.

ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، لا بد من التأكيد أن ما يجري حتى الآن لا يمكن وصفه بحسمٍ نهائي. فالحرب لا تزال في إطار “الكرّ والفرّ”، وقد أظهرت إيران قدرًا من التماسك، بل وتبلي بلاءً لافتًا في مواجهة قوتين تُعدّان من الأكبر عسكريًا في العالم.

كما أن التصعيد الأخير، بما فيه من استهداف مباشر وعمليات نوعية، لم يُفضِ إلى حسم واضح، بل فتح الباب أمام تعقيدات أكبر في المشهد. ويرى بعض المراقبين أن هذه المواجهة أعادت خلط الأوراق، وأظهرت قدرات عسكرية لافتة، خاصة في ما يتعلق بالتوازنات الصاروخية.

وهذا بدوره يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا التصعيد، خاصة في ظل مسارات تفاوض كانت مطروحة في مراحل سابقة. غير أن طرح هذا السيناريو لا يأتي لتبني رواية، ولا لتبرير موقف، بل كمحاولة تحليلية لفهم ما قد يحدث لو تغيّرت موازين القوى بشكل جذري، كما قد يسعى إليه صُنّاع هذه الحرب.

فالحديث عن “سقوط” دولة بحجم إيران ليس تفصيلًا عابرًا. فهذه الدولة، على مدى عقود، كانت جزءًا من معادلة توازن معقدة في المنطقة. وجودها — سواء اتفقنا معه أو اختلفنا — شكّل عنصر ردع غير مباشر ساهم في إبقاء الصراعات ضمن حدود معينة.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة طرف، ولا حتى في ضعف آخر، بل في اللحظة التي يختل فيها الميزان.

في حال غياب هذا التوازن، قد تجد إسرائيل مساحة أوسع للتحرك، خصوصًا في ملفات حساسة مثل القضية الفلسطينية. أو حتى موضوع الحلم بالتوسع او ما يعرف بمخطط اسرائيل الكبرى،  وهذا لا يعني نهاية القضية، بقدر ما يعني انتقالها إلى مرحلة أكثر صعوبة، في ظل تراجع بعض أدوات الضغط.

أما الولايات المتحدة، فرغم حضورها القوي في المنطقة، إلا أن الحديث عن سيطرة مطلقة يتجاهل واقعًا مختلفًا عن السابق. فدول الخليج اليوم أكثر وعيًا بمصالحها، وأكثر قدرة على تنويع علاقاتها، وأبعد ما تكون عن أن تُدار من طرف واحد.

قد نختلف أو نتفق مع سياسات النظام الإيراني، لكن هذا لا يعطي أي طرف مبررًا للاعتداء عليها أو محاولة تغيير نظامها بالقوة دون رغبة شعبها. أي فرض للتغيير بالقوة لا يراعي إرادة الشعوب، وسيترك أثرًا عميقًا على استقرار المنطقة ومستقبل أبنائها.

وفيما يتعلق بمستقبل الأنظمة أو الهويات، فإن التاريخ يعلّمنا أن المجتمعات لا تُعاد صياغتها بقرارات خارجية. فالهويات أعمق من أن تُفرض، وأكثر صلابة من أن تتلاشى تحت ضغط الأحداث. دول المنطقة لا يمكن أن تظل متفرجة أمام ما يُحاك حولها، فمعرفة ما يجري لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة حيوية، لأنها تحدد مستقبل هذه الدول وأمن شعوبها وأبنائها.

والمطلوب موقف واضح ومدروس، لا يُترك للمصادفات أن تُقرر مستقبل المنطقة، لأن ثمن التراخي قد يكون أعلى من أي حسابات سياسية آنية.

اقتصاديًا، قد تتأثر المنطقة، لكن الدول التي بنت لنفسها قاعدة اقتصادية متنوعة ستكون أكثر قدرة على التكيف. أما المجتمعات، فستظل — رغم كل شيء — أكثر ثباتًا مما يُعتقد.

وفي نهاية كل هذا الصخب، يبقى السؤال الصادق الذي يطرحه الناس: “ماذا لو سقطت إيران… ماذا سيحدث لنا؟”

ليس خوفًا من دولة، ولا دفاعًا عن أخرى، بل خوفًا من المجهول، حين يصبح أقرب مما نظن. فالناس هنا لا يبحثون عن انتصارات سياسية، ولا عن خرائط جديدة، بل عن حياة مستقرة، وأمان لا يتغير مع كل خبر عاجل.

قد تسقط دول… وقد تصمد، قد تتغير موازين… وقد تعود، لكن الذي لا يجب أن يسقط… هو إنسان هذه المنطقة. ذلك الإنسان البسيط، الذي لا يعنيه من صخب السياسة إلا ما يمسّ حياته، ولا من توازنات القوة إلا ما يحفظ له أمانه، ولا من كل هذا الصراع… إلا أن يعيش بكرامة.

وفي الختام، نأمل أن تنتهي هذه الحرب، التي لا طائل منها سوى القتل والدمار، وهول الوقائع الكارثية على المنطقة. ولا يمكن تصور أن تُسقط الأنظمة أو يُعاد رسم مستقبل الشعوب بقرارات قائمة على فرض سياسة القوة فقط. فإذا استمر هذا النهج، سيكون مستقبل هذه المنطقة، وربما العالم، على المحك، وستكون الخسائر أخطر بكثير من أي مكاسب عابرة.

 

 

الأكثر قراءة

z