حظوظ الغزو البري الصهيوأمريكي لإيران

 

د. محمد جعفر **

يَفترضُ بعض المحللين العسكرين السيناريو الأسوء في ظل التصعيد الحالي بين التحالف الصهيوأمريكي والجمهورية الاسلامية الايرانية التي تُسميه أمريكا عملية "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury) والتي بدأتها في 28 فيراير 2026، وكان الهدف المعلن منها القضاء على التهديدات الوشيكة، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، وشل قدرات الصواريخ الباليستيةز

ونذكر هنا أن هذا الهدف أُعلن بعد بداية الحرب؛ إذ إن المخطط المتوقع كان اغتيال القيادة الإيرانية وخلق فوضي عارمة تفضي إلى إزاحة النظام.

أما السيناريو الأسوأ هنا فيتمثل في الغزو البري لإيران، على غرار الغزو الأمريكي للعراق في 2003، أو أو غزو أفغانستان في 2001، والذي استمر 12 عامًا، وانتهي إلى الخروج المُذِل لأمريكا.

ولتفكيك هذه الفرضية يمكن القول إنَّ الحديث عن "غزو بري" أمريكي لإيران يُعد من أكثر المواضيع تعقيدًا وحساسيةً من الناحية الاستراتيجية والعسكرية. فبينما نجحت الضربات الجوية والصاروخية الأخيرة في إضعاف القدرات الهجومية الإيرانية بشكل ملحوظ، إلّا أن الانتقال إلى مرحلة الغزو البري الشامل يواجه عقبات هائلة تجعل "حظوظ" نجاحه كعملية سريعة ومنخفضة التكلفة ضئيلة للغاية.

أولًا:  فرضية الغزو الشامل: ما أبرز التحديات الميدانية لهذا السيناريو؟

  1.  العوائق الجغرافية واللوجستية

إيران ليست كالعراق أو أفغانستان؛ فهي تمتلك تضاريس هي الأصعب في المنطقة من ناحية المساحة والوعورة؛ إذ تبلغ مساحة إيران حوالي 4 أضعاف مساحة العراق، وأغلب مراكزها الحيوية تقع في الداخل خلف سلاسل جبال زاجروس والبرز الشاهقة. كما إن التحرك البري يتطلب المرور عبر ممرات جبلية ضيقة؛ مما يجعل القوات الغازية عُرضة لكمائن سهلة ومؤثرة، ويحد من تفوق المدرعات الأمريكية.

  1.  التوازن العسكري (الكمي والنوعي)

رغم التفوق الجوي المطلق للولايات المتحدة وإسرائيل، إلّا أن القوات البرية الإيرانية تظل تحديًا كبيرًا؛ فإيران تمتلك كتلة بشرية ضخمة مسلحة ومدربة، جيش وحرس ثوري و"باسيج" وحاضنة مُأدلجة ومستعدة للقتال على "أرضها". كما إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتبنى استراتيجية "الدفاع الفُسيفِسائي"؛ حيث تعمل كل محافظة كوحدة عسكرية مستقلة قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد؛ مما يعني أن سقوط العاصمة طهران- إن حدث- لن يعني نهاية الحرب.

  1.  الكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة

وفقًا لتقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies CSIS) ووزارة الحرب الأمريكية لشهر مارس 2026؛ فقد كلَّفت الحرب الجوية في أول 12 يومًا فقط حوالي 16.5 مليار دولار. ويتوقع الخبراء أن يتطلب الغزو البري ميزانية تتجاوز 200 مليار دولار كبدايةٍ، وهو ما يُثير معارضة شديدة داخل الكونجرس والشارع الأمريكي، وهو ما حدث فعليًا الأسبوع الماضي داخل الكونجرس.

كما إن الغزو البري يعني توقُّفًا كاملًا للملاحة في مضيق هرمز؛ باعتباره منطقة عمليات مغلقة، مما قد يقفز بأسعار النفط إلى مستويات قياسية تهدد الاقتصاد العالمي، وتثير غضب المواطن الامريكي الذي وعده ترامب بخفض ملحوظ في أسعار البنزين.

  1.  الكلفة البشرية المتوقعة

هذا الغزو لن يكون نزهة سريعة أو عملية خاطفة؛ إذ فقدت أمريكا نحو 4400 جندي في حربها في العراق، رغم بُعد الهوة في المقارنة بين الحربين أو الغزوين، وهو ما تحسب له القيادة الأمريكية ألف حساب، ولا تستطيع مجرد التفكير في عملية تُكلِّفها أرواح بشرية من نخبتها العسكرية وهو موضوع حساس جدًا في الداخل الأمريكي.

  1.  فقدان الشرعية الدولية والأخلاقية

فشل التحالف الأمريكي الصهيوني حتي الآن في حشد تأييد عالمي لهذه الحرب؛ بل واجه رفضًا عنيفًا من بعض الدول، مثل إسبانيا؛ مما يجعل استمرار هذه الحرب وتبعاتها، يقع على عاتق التحالف دون غيره من اللاعبين الدوليين، على عكس ما حدث في العراق وأفغانستان.

التحالف، كذلك، فَقَدَ الشرعية الأخلاقية في خوض هذه الحرب على اعتبار أن إيران لم تكن تهديدًا وشيكًا لأمريكا؛ بل إن الحرب شُنَّت وسط مفاوضات "مُثمرة وبناءة" كما وصفها وزير خارجية الدولة الوسيطة سلطنة عُمان، وهو ما قوبل بعددٍ من الاستقالات داخل الإدارة الأمريكية من طرف بعض المطلعين على تقارير وإحاطات استخباراتية حسَّاسة.

ثانيًا: الغزو الجزئي

بدلًا من الغزو الشامل، تُشير بعض التقارير إلى أن الخيارات "الأكثر واقعية" هي: عمليات جراحية محدودة علي شكل إنزال قوات خاصة، للسيطرة على منشآت نووية محددة أو استعادة مخزونات اليورانيوم، مع السيطرة على جُزر استراتيجية (مثل جزيرة خَرْج) لتأمين تدفق النفط دون الدخول في العمق الإيراني.

في التحليل الأخير، يمكن القول إنه من الناحية العسكرية، تستطيع الولايات المتحدة "دخول" إيران، لكن "السيطرة" عليها وإقامة نظام مُستقر يُعد مهمة شبه مستحيلة عسكريًا واقتصاديًا. والتوجه الحالي يميل أكثر نحو الاستنزاف الجوي والضغط الاقتصادي لإجبار طهران على التفاوض؛ بدلًا من التورط في "فخ" بري قد يستمر لسنوات.

** كاتب وباحث إستراتيجي مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z