مرتضى بن حسن بن علي
حين تشتد الأزمات السياسية في منطقتنا، وتتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، تندلع فجأة "حرائق الطائفية"، وكأنَّها وقودٌ جاهزٌ للاشتعال في أي لحظة، وما نشهده اليوم من استقطاب حاد بين السنة والشيعة ليس مجرد خلاف ديني عابر؛ بل هو استدعاء لصراعات سياسية ضاربة في التاريخ، أُلبست ثوب القداسة لتبرير الاقتتال وتفتيت النسيج الوطني.
التاريخ.. صراع على السياسة لا على الدين
العودة إلى الجذور تكشف أن أول وأشد صراع في تاريخ الإسلام كان صراعًا على "السلطة" لا على العقيدة. في "سقيفة بني ساعدة" لم يكن السؤال لاهوتيًا، بل سياسيًا بامتياز: من يحكم؟ ومن يقود؟ ومنذ تلك اللحظة، تشكلت مرويات متعددة تحولت مع الزمن إلى هويات مغلقة، وتراكمت حولها تفسيرات متباينة، أفرزت لاحقًا صراعات دموية امتدت عبر القرون.
الإسلام، في جوهره التاريخي، ليس ملكية حصرية لفريق دون آخر؛ بل هو مجموع هذا الإرث بكل تنوعاته وتناقضاته. هو النبوَّة والخلافة، كما هو أيضًا "الفتنة الكبرى" وصراعات الدول التي قامت باسمه. وهو كذلك تراث فقهي وفكري واسع، صاغته مدارس متعددة، عكست اختلافات المسلمين السياسية والمعرفية والاجتهادية. غير أن هذا التنوع، بدلًا من أن يكون مصدر غنى، تحوّل في كثير من الأحيان إلى مادة صراع حول "من يمتلك الحقيقة".
من الانسداد الفكري إلى الاستعصاء الحضاري
مع مرور الزمن، دخلت الحضارة الإسلامية مرحلة من "الانسداد الفكري"، حين تراجع الاجتهاد، وضاقت مساحات التفكير الحر، وتحولت المدارس الفكرية إلى قوالب مغلقة. هذا التحول لم يكن فكريًا فحسب، بل كانت له تبعات سياسية واجتماعية عميقة؛ إذ فُرضت مذاهب بالقوة، واندلعت صراعات دامية، ودُفعت المجتمعات نحو مزيد من الانقسام.
هذا الإرث التاريخي، الذي لم يُخضع لنقد علمي جاد، ظل حاضرًا في الوعي الجمعي، يُستدعى عند كل أزمة، ليغذي دورات جديدة من العنف والانقسام.
أوروبا.. حين انتصر العقل على الصراع
التجربة الأوروبية تقدم مثالًا مختلفًا؛ فقد عاشت أوروبا حروبًا دينية طاحنة، لكنها تمكنت من تجاوزها حين قررت إخضاع تاريخها للنقد، وفصل الدين عن الصراع السياسي، وبناء "الدولة الوطنية" التي تقوم على القانون لا على العقيدة.
وذلك التحول لم يكن سهلًا، لكنه كان حاسمًا، وحين ارتفع صوت القانون فوق صوت الانتماء الديني، بدأت دورة الاستقرار والنهوض.
الطائفية في واقعنا: أزمة داخلية قبل أن تكون خارجية
في عالمنا العربي، لا تزال الطائفية في صعود مستمر، تُغذِّيها عوامل داخلية قبل أي تدخل خارجي، وهذه العوامل الداخلية تتمثل في: ضعف التعليم، وغياب العدالة، وانتشار خطاب الكراهية، واستغلال الفقر والتهميش. صحيحٌ أن هناك توظيفًا سياسيًا خارجيًا، لكن القابلية للاشتعال تُصنع محليًا.
وحين تضعف الدولة أو تنهار، تطفو على السطح كل التناقضات المكبوتة، وتتحول المجتمعات إلى ساحات لتصفية حسابات تاريخية، كما شهدنا في أكثر من بلد عربي خلال السنوات الأخيرة.
العلاج: المواطنة قبل كل شيء
الدولة الطائفية، في جوهرها، دولة ناقصة، وعلامة على فشل مشروع الحداثة. فلا يمكن بناء استقرار دائم في ظل نظام يميز بين مواطنيه على أساس المذهب أو العرق. والحل يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة على أساس "المواطنة" لا "الانتماء". المواطن هو مواطن بحقوقه وواجباته، لا بمرجعيته الطائفية.
التعليم والتشريع: أساس الدولة العصرية
ولا يكفي بناء الجيوش أو تعزيز الأجهزة الأمنية لصناعة دولة حديثة. الدولة العصرية تُبنى على ركيزتين أساسيتين:
أولًا: التعليم العصري؛ تعليم يحرر العقل من الخرافة، ويعزز التفكير النقدي، ويغرس قيم التعددية والتعايش.
ثانيًا: التشريع العادل؛ من خلال قوانين تضمن المساواة أمام القانون، وتحمي الكرامة الإنسانية، وتفصل بين الانتماءات الخاصة والحقوق العامة.
الخلاصة: مشروع دولة لا خطاب وعظي
إنَّ تجاوُز الطائفية ليس مسألة خطاب ديني أو دعوات أخلاقية؛ بل هو مشروع سياسي وقانوني وتنموي متكامل. مشروع يبدأ بالاعتراف بأن التاريخ يحتاج إلى قراءة نقدية لا تقديسًا، وأن المستقبل لا يُبنى على صراعات الماضي.
الدولة المدنية العصرية، التي يرتفع فيها صوت القانون فوق صوت المذهب، ليست خيارًا فكريًا؛ بل ضرورة وجودية. من دونها، ستظل حرائق الطائفية قابلة للاشتعال في كل لحظة، وسيبقى المستقبل رهينة لماضٍ لم نحسن فهمه ولا تجاوزه.
