عندما تسيل الدماء في الوديان

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

حين تنهمر قطرات المطر على أرضنا، يتبدل كل شيء. تتنفس الجبال بعد صمت، وتفوح رائحة التراب كأنها ذاكرة قديمة تعود للحياة، وتتحول السماء إلى لوحةٍ من الرحمة الممتدة. في تلك اللحظات، لا يرى الناس في المطر إلا نعمة خالصة، وفرحة تتسلل إلى القلوب قبل البيوت، فيستبشر الجميع، ويُقبلون على هذه اللحظات بشغفٍ لا يخلو من الطمأنينة.

غير أن هذه الصورة المشرقة لا تلبث أن تتبدل في بعض الأحيان، حين تتحول الأمطار إلى سيول جارفة، وتفيض الأودية بما يفوق قدرتها على الاحتواء. هنا، تبدأ المشكلة التي تتكرر كل عام تقريبًا، وتتجدد معها الخسائر ذاتها. طرقٌ تُغمر، ومركباتٌ تنجرف، وأشخاصٌ يجدون أنفسهم في مواجهة قوة طبيعية لا يمكن مجاراتها.

المؤلم في هذه المشاهد ليس تكرارها فحسب، بل تكرار نتائجها أيضًا. ففي كل مرة، نفقد أرواحًا من مختلف الأعمار والفئات، يجمعهم ظرف واحد: لحظة لم يُقدَّر خطرها كما يجب. وهذه الخسارة لا يمكن اختزالها في رقم، ولا التعامل معها كحادث عابر؛ ففقد الإنسان -أي إنسان- هو خسارة كاملة، لمجتمع بأكمله، ولمحيط واسع، وليس مجرد رقم في إحصاء.

إن ألم الفقد لا يُقاس بحجم الحادث، بل بعمقه في النفوس. هو غيابٌ مفاجئ، يترك فراغًا لا يُملأ، وأثرًا يمتد طويلًا في حياة من بقي. وكلما تكررت هذه الحوادث، تكررت معها ذات الأسئلة المؤلمة: هل كان بالإمكان تفادي ذلك؟ وهل كان هذا الفقد ضروريًا أصلًا؟

هنا، تبرز المسؤولية بمستوياتها المختلفة.

تبدأ بالفرد، الذي يتحمل مسؤولية قراره في لحظة الخطر؛ فالتبختُر في الشوارع دون داعٍ وعبور الأودية أثناء جريانها ليس مجرد خيار شخصي؛ بل قرار قد تكون له تبعات قاتلة. الوعي هنا ليس اختيارًا؛ بل ضرورة، لأن التقدير الخاطئ قد لا يمنح فرصة ثانية.

ثم تأتي مسؤولية المجتمع، في ترسيخ ثقافة السلامة، وتعزيز الوعي العام بخطورة هذه السلوكيات. فالمجتمع الذي يرفض التهور، ويستنكر المجازفة، ويسهم في نشر الوعي، هو مجتمع يقي نفسه بنفسه، قبل أن تتدخل أي جهة أخرى.

أما الجهات المختصة؛ فهي تقوم -بلا شك- بجهود كبيرة ومقدّرة، سواء في إصدار التحذيرات المبكرة، أو متابعة الحالة الجوية، أو عمليات الإنقاذ التي تُنفذ باحترافية عالية. هذه الجهود محل تقدير واعتزاز، وقد أسهمت في الحد من كثير من الخسائر.

لكن، ومع هذا التقدير، تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الإجراءات الوقائية، التي تقلل من مساحة الخطأ البشري. ومن ذلك التوسع في إنشاء الجسور في مواقع جريان الأودية، وتعزيز الحواجز الواقية التي تمنع العبور وقت الخطر، وتطوير أنظمة تصريف المياه في المناطق السكنية، إضافة إلى الإغلاق الصارم للطرق المعرضة للسيول، وعدم توزيع الأراضي السكنية في مناطق عبور الأودية والشعاب؛ بحيث لا يُترك القرار للاجتهاد الفردي في لحظة قد لا تحتمل التقدير.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب النظر بجدية في تشديد العقوبات على من يخالف التعليمات ويعرّض حياته وحياة الآخرين للخطر، لأن التوعية وحدها -على أهميتها- قد لا تكون كافية في كل الأحوال؛ فحماية الأرواح تستدعي أحيانًا حزمًا يوازي حجم الخطر.

في الختام.. سيبقى المطر رحمة، وستبقى الأرض تفرح بالغيث، لكن الأهم أن نحسن التعامل مع هذه النعمة. فالأرواح التي نفقدها في الأودية ليست بالضرورة قدرًا محتومًا، بل نتيجة يمكن الحد منها، إذا تكامل الوعي، وتعززت المسؤولية، وتطورت الإجراءات، وتحقق الحزم.

وحين يحدث ذلك… ربما يأتي يوم، نشهد فيه المطر كما نحب، دون أن نكتب معه، في كل مرة، دماءً جديدة تسيل في الوديان. والحقيقة أننا لسنا أمام ظاهرة جديدة، ولا أمام خطرٍ مجهول؛ بل أمام مشهد يمكن تغييره. إن الأودية لم تُخلق لتكون مسرحًا للمجازفة، ولا ممرًا للتهور، ولا ينبغي أن تُكتب على ضفافها قصص النهاية.

فنحن نستطيع -إن أردنا- أن نجعل المطر بداية حياة… لا بداية فَقَدٍ. وأن تبقى الوديان مجاري للماء، لا مجاري للدماء.

الأكثر قراءة

z