هل دُفع الخليج إلى حرب ليست حربه؟

 

د. توفيق بن بدر الغيلاني

ليست هذه حربًا على إيران فقط، هذه حرب على الجغرافيا الخليجية، على أسواقها، على منشآتها، على سيادتها، وعلى حقها في ألّا تكون حطبًا لمعارك الآخرين.

فالذي يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. لقد تجاوزت الحرب خرائطها الأولى، وخرجت من إطار "الضربات المتبادلة" إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة توريط الخليج نفسه في قلب الصراع، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، حتى وإن لم يكن هو من أعلن الحرب، ولا هو من صاغ أهدافها، ولا هو من اختار توقيتها.

هذه هي المعضلة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ: واشنطن وتل أبيب تخوضان المعركة، لكن الخليج هو الذي يتلقى الارتدادات. هما يرسمان خرائط النار، والخليج يدفع فاتورة الاشتعال.

وما حدث في قطر ليس تفصيلًا عابرًا في مشهد مضطرب؛ بل هو العنوان كله.

حين تُعلن الدوحة أن الاعتداءات الإيرانية على دولة قطر، بما في ذلك استهداف مجمع الطاقة في رأس لفان، تمثل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا مرفوضًا، وأنها تأتي ضمن محاولات إيرانية مستمرة لجرِّ المنطقة إلى هذا الصراع، فإنها لا تصف مجرد حادث أمني؛ إنها تكشف الحقيقة التي حاول كثيرون التهرب منها: الحرب على إيران لم تبقَ في إيران، بل وصلت إلى الخليج.

وهنا، ينهار الخطاب القديم الذي أوهم المنطقة أن بإمكانها أن تقف قريبًا من الحرب دون أن تشتعل ثيابها.

ففي الشرق الأوسط، لا توجد حرب "نظيفة"، ولا مواجهة "مضبوطة"، ولا ضربات يمكن حصرها داخل صندوق بريدي جغرافي ضيق. من يفتح أبواب الجحيم في الإقليم، لا يستطيع أن يُحدِّد وحده من سيدخل النار ومن سينجو منها.

لقد أرادت الولايات المتحدة وإسرائيل أن تضربا إيران، لكن إيران ردّت حيث يُوجع العالم: في الطاقة، في رأس لفان، في الخليج، في الشريان الذي يتغذى عليه الاقتصاد الدولي كله. وهكذا، وجدت دول الخليج نفسها مجددًا في الموقع الأخطر: ليست صاحبة قرار الحرب، لكنها أحد أكبر المتضررين منها.

وهنا تمامًا نستعيد مقولة الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك معناها القاسي: "المتغطي بأمريكا عريان"!

لم تكن تلك العبارة نُكتة سياسية، ولا انفعالًا لغويًا؛ بل كانت خلاصة تاريخ كامل من الارتهان العربي لتحالفات لا تحمي إلّا بقدر ما يخدم مصالحها، ولا تتدخل إلّا حين تكون الكُلفة على الآخرين لا عليها. أمريكا لا تحارب لأجل الخليج؛ بل تحارب لأجل نفوذها. وإسرائيل لا تدفع المنطقة إلى المواجهة مع إيران دفاعًا عن الخليج؛ بل دفاعًا عن مشروعها هي، عن تفوقها، عن أحلامها القديمة في شرق أوسط منزوع الوزن العربي ومجرد من أي قوة توازنها.

ومن هنا، لا يمكن فهم حرب ترامب الحالية ضد إيران بمعزل عن أزمة أمريكا نفسها.

هذه ليست فقط حرب رئيس متهور أو زعيم يهوى الاستعراض. إنها، في الأعمق، انعكاس لفكرة إمبراطورية تتراجع، فتبحث عن خلاصها في مزيد من النار.

ولهذا تبدو قراءة المؤرخ الأمريكي ألفريد ماكوي، منذ مقاله الاستشرافي عام 2010، شديدة الأهمية. الرجل حذر مبكرًا من أن زوال الولايات المتحدة كقوة عظمى قد يأتي أسرع مما يتوقع كثيرون، ثم عاد في 2024 ليقول إن أربع سنوات أخرى من دبلوماسية ترامب "أمريكا أولًا" ستدمر القوة العالمية المتدهورة أصلًا للبلاد.

وحين تخاف الإمبراطوريات من أفولها، فإنها لا تراجع نفسها؛ بل تضرب أكثر. ولا تعالج تراجعها بالحكمة؛ بل بالبارود. لا تواجه أزماتها الداخلية بالمراجعة؛ بل بتصدير الأزمات إلى الخارج.

وها هي واشنطن تفعل ذلك على حساب الخليج. أما إسرائيل، فهي ترى في هذه الحرب فرصة تاريخية. فرصة لكسر إيران أو إنهاكها أو تفكيكها. فرصة لإزالة آخر قوة إقليمية كبيرة ما زالت تمنعها من الانفراد الكامل بالمشهد. فرصة لدفع المنطقة كلها إلى مرحلة يصبح فيها مشروع الهيمنة الإسرائيلية أقل كلفة، وأكثر قابلية للفرض، وأكثر اتساعًا.

ومن هنا يبرز السؤال المرعب: إذا سقط نظام المُلالي في إيران، فماذا بعد؟ هل ستتحقق "إسرائيل الكبرى" دفعة واحدة؟ ليس بالضرورة. لكن هل ستقترب إسرائيل أكثر من لحظة الانفراد المطلق، من النيل حتى الفرات، ومن فلسطين إلى المجال العربي الأوسع؟

نعم، وهذا احتمال خطير جدًا.

إن سقوط طهران، أو دخولها في فوضى عميقة، لن يزيل خصمًا لإسرائيل فقط؛ بل سيُسقط أيضًا واحدًا من أهم مراكز الردع الإقليمي، بما يفتح الباب لشرق أوسط أكثر اختلالًا، وأكثر قابلية للابتلاع الإسرائيلي.

لكن الخطر لا يقف هنا؛ فسقوط النظام الإيراني، إن وقع، قد لا ينتج شرقًا أوسط آمنًا، بل شرقًا أوسط مفككًا. قد لا يفتح الباب للديمقراطية، بل للفوضى. وقد لا يهب الخليج راحة استراتيجية، بل يضعه أمام جار منهك، ممزق، منفلت، أو أمام فراغ هائل تتقدم إسرائيل لملئه، وتُدفع فيه دول الخليج إلى مزيد من الارتهان الأمني للخارج؛ أي إن الخليج، في الحالتين، قد يخسر، إن بقيت إيران قوية، دفع ثمن المواجهة. وإن سقطت إيران بلا بديل مستقر، دفع ثمن الفوضى.

أما الحديث عن علاقة ملفات إبستين بحرب ترامب ضد إيران، فهو حتى الآن أقرب إلى الاشتباه السياسي منه إلى الحقيقة المثبتة. نعم، قد تستفيد إدارة محاصرة داخليًا من حرب خارجية لتحويل الأنظار، وقد يستغل ترامب أجواء الحرب لتخفيف الضغط عن أزماته وفضائحه، لكن القول إن الحرب شُنت بسبب ملفات إبستين تحديدًا يظل استنتاجًا غير ثابت. ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذا السؤال يكشف حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي في بنية القرار الأمريكي اليوم.

إن الدرس الذي يجب أن تستوعبه دول الخليج فورًا هو أن الحياد اللفظي لا يكفي، وأن بيانات التهدئة لا تحمي المنشآت، وأن الرهان على المظلة الأمريكية لم يعد ضمانة؛ بل صار عبئًا مضاعفًا.

الخليج يحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من الإدانة: يحتاج إلى رؤية أمنية مستقلة، وتماسك خليجي فعلي، وتحويل أمن الطاقة إلى عقيدة سيادية، لا مجرد ملف اقتصادي؛ فالحرب التي تضرب رأس لفان اليوم قد تضرب غدًا الممرات والموانئ والأسواق والعملات والثقة الدولية في المنطقة كلها. وهذا هو جوهر المأزق: أن تتحول دول الخليج من قوى استقرار اقتصادي إلى ساحات ضغط صاروخي وجيوسياسي، فقط لأنها وثقت أكثر من اللازم في تحالفات لا ترى فيها سوى أدوات ومواقع ووظائف.

قد تسقط إيران، وقد تضعف أمريكا، وقد تكبر شهية إسرائيل، لكن الكارثة الحقيقية ستكون إن لم يفهم الخليج أن أخطر ما في هذه الحرب ليس الصاروخ الإيراني وحده، بل الطريق الذي قاد إليه أصلًا؛ فالمنطقة لا تُحرق فقط بنيران الأعداء، بل أحيانًا بأوهام الحلفاء.

وحين تنتهي هذه الجولة، قد لا يتذكر التاريخ من أطلق الضربة الأولى بقدر ما سيتذكر من أخطأ قراءة اللحظة، ووقف تحت المظلة الأمريكية يظن نفسه آمنًا، بينما كان عاريًا تمامًا أمام العاصفة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z