د. لولوة البورشيد
لو أعلنت دول الخليج دخولها الحرب مع إيران- لا ضدها- فإن هذا القرار وحده كفيل بوقف الحرب التي اندلعت منذ 28 فبراير 2026.
هذه الفكرة تبدو غريبة في أول وهلة، خاصة بعد آلاف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي ضربت أراضي دول مجلس التعاون (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، سلطنة عُمان)، وأدت إلى إغلاق مؤقت لمنشآت الطاقة، واندلاع حرائق في رأس لفان وجبل علي، وخسائر اقتصادية هائلة، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. لكن في هذا السياق الذي وصلت فيه المنطقة إلى حافة الهاوية، قد تكون هذه الخطوة أقوى استراتيجية ممكنة.
لكن. لماذا "مع إيران" وليس "ضدها" هو المفتاح؟!
إيران الآن- بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وكثير من القيادات، وتدمير جزء كبير من قدراتها النووية والصاروخية- لا تحارب "عرب الخليج" أساسًا، بل تحاول فرض تكلفة على كل من تعتبرهم "حلفاء أمريكا وإسرائيل"، وتوزع الألم لتخفيف الضغط عن نفسها. الضربات على مطارات دبي والرياض، على حقول الغاز في قطر، على موانئ الكويت والبحرين، كلها رسائل: "لو أنتم لم توقفوا الحرب، فلن يبقى أحد آمنًا".
لو استمرت دول الخليج في الرد الدفاعي فقط (اعتراض أكثر من 90% من الهجمات)، فإن الحرب ستطول، والخسائر ستتراكم، وإيران ستستمر في "اللعب على الوقت" حتى يضغط الرأي العام الأمريكي على ترامب لوقف العملية. لكن لو قال الخليج: "كفى.. نحن داخلون معكم في وقف الحرب"، ستتغير المعادلة جذريًا.
ما الذي يمكن أن يحدث لو اتخذ المجلس قرارًا موحدًا مثل هذا؟
أولًا: ضغط اقتصادي هائل على أمريكا وإسرائيل: الخليج يسيطر على حوالي 30–40% من صادرات النفط العالمية. لو أعلن "نرفض استمرار الحرب، وسنفتح قنوات مباشرة مع إيران لضمان أمن هرمز واستقرار الأسواق"، فإن واشنطن وتل أبيب ستواجهان أزمة طاقة عالمية حقيقية. لن يقبل أحد في أوروبا أو آسيا استمرار الحرب إذا وصل سعر البرميل إلى 150–200 دولار بسبب إغلاق هرمز.
ثانيًا: إيران ستقبل العرض بسرعة: النظام الإيراني (أو ما تبقى منه تحت قيادة مجتبى خامنئي) في أضعف حالاته عسكريًا واقتصاديًا. لو عرض الخليج: "نوقف الهجمات المتبادلة، نضمن مرور السفن، نعيد التصدير، ونتفاوض على أمن إقليمي مشترك"، فإن طهران ستكسب "مخرج شرف" من دون أن تبدو مهزومة تمامًا. وهذا أفضل بكثير من استمرار الاستنزاف.
ثالثًا: المجلس يستعيد دوره كلاعب رئيسي: بدل أن يكون "ضحية جانبية" في حرب أمريكية–إسرائيلية، يتحول المجلس إلى "صانع سلام". قرار كهذا سيعزز وحدة الخليج (التي بدأت تظهر في بيانات الإدانة المشتركة وقرار مجلس الأمن)، وسيعيد الثقة الشعبية العربية التي تآكلت بعد سنوات من التصعيد.
رابعًا: يمنع تحول الحرب إلى صراع عربي–فارسي طويل الأمد: الاستهداف المكثف للخليج (أكثر من ثمانية أضعاف ما وقع على إسرائيل بحسب بعض التقارير) يحاول جر المنطقة إلى مواجهة مباشرة. لو دخل الخليج "مع" إيران في مسار التهدئة، فإن ذلك سيقطع الطريق على أي تصعيد إضافي، وسيحمي الاقتصادات الخليجية من انهيار أكبر.
إلّا أن هناك تحديات ومخاطر منها: رد أمريكي غاضب؛ حيث قد يرى ترامب ذلك "خيانة"، ويضغط اقتصاديًا أو عسكريًا، إلى جانب عدم الثقة في إيران، لأنه بعد كل الضربات، من الصعب تصديق أن طهران ستلتزم بأي اتفاق، وكذلك الرأي العام الداخلي، إذ إن أهل الخليج غاضبون من الخسائر، وقد يرون أي "تقارب" مع إيران ضعفًا.
لكن الواقع يقول إن استمرار الوضع الحالي (دفاع فقط + إدانات + قرارات أممية) لن يوقف الصواريخ، وسيطيل أمد النزيف. القرار الجريء- دخول حرب السلام مع إيران- قد يكون الضربة القاضية للتصعيد.
والسؤال ليس هل القدرة موجودة، لأن القدرة موجودة (اقتصاد قوي، دفاع مشترك، علاقات دبلوماسية مع إيران عبر عُمان والكويت)، وإنما السؤال: هل الإرادة السياسية موجودة لدى دول الخليج لاتخاذ خطوة تاريخية قبل أن يصبح الثمن أكبر مما يمكن دفعه؟
الوقت ضيق، والصواريخ ما زالت تطير!
