الإبداع بمجهوله ومُعرَّفه

 

 

ماجد بن علي الهادي

 

"العدو الرئيسي للإبداع هو المنطق السليم"- بابلو بيكاسو.

*****

ما أروع العمل الأدبي وهو يطير بك في سماوات الإبداع، ما أروعه وهو ينتشلك من براثن هواجس التقليل من قدرات الفكر الإبداعي. ما أروعه وهو يريك أشياء كانت تبدو في الذهن منغلقة فتتحول إلى انفتاح، من خلالها ترى الصحراء بستانًا جميلًا، والضغائن ورودًا متفتحة من الحب والتسامح.

الإبداع الأدبي تكمن آثاره واستحواذه في نظرة المُبدع المتأمل، وترتسم قطرات حبر قلمه في صياغة الكلمات وبلورتها على صورة بلورات أدبية جميلة، وعلى هيئة طيور خرافية جميلة. فالمُبدع يرى الأشياء كما يريد عقله أن يصوِّرها، ولا يقتصر الإبداع الأدبي على الجانب السعيد والجميل، فهناك من الإبداع ما تتفنن به الأقوال المُبدعة في الجانب الحزين بقبح مآسيه. فكم من المآسي قد طرزتها الأقلام إبداعات أدبية، تسابقت على نيل تمثيلها أفكار المخرجين والمنتجين، ونالت من خلالها جوائز أوسكارية أو ما شابه. بل إن الجانب الحزين المتكالب عليه سطوة المآسي تجده يسطع أكثر من الجانب السعيد.

وفي ظل ظروف معينة يرى الإنسان نفسه في هذه القصة أو هذا الفيلم أو هذه الرواية. في لحظة معينة تتشابه المفاهيم وتتجانس الرؤى، في بوتقة معينة تتنامى في الفكر ذكريات تشابهت مع أحداث قصة ما. هنا يأتي دور المُبدع الذي ينتزع الأحاسيس من سبات الماضي لأي متلقٍّ، فيجره جرًّا في مسارات تفكيره، ويلبسه ما يشاء من إحساس ونقيضه، بل يتلبس عقله وفكره إلى درجة أنك لا تستطيع التفريق بينهما (المؤلف والمتلقي).

الشعور بأنك كقارئ أو متلقٍّ قد وجدت من يعبر عن أدق تفاصيل ذكرياتك وأحاسيسك وظروفك ووضعيتك ومشاعرك، شعور لا يُضاهى.. شعور الطفل وقد وجد حضن أمه بعد حرمان طويل، شعور اللسان وهو يجد أخيرًا من ينطق نيابة عنه بسبب اللعثمة. المُبدع لا ينتظر إصدار الأحكام على أعماله، ولا يكترث أصلًا للأحكام أيًّا كانت، المُبدع لا ينتظر دعوته للاشتراك في المسابقات ليبرهن كفاءته وقدراته، ولا يهمه إن لم يلتفت إلى أعماله أحد، يعمل بصمت ويختفي بصمت. همه الإبحار بمركبه في بحور الإبداعات الأدبية، ويشعل فكره وعقله في نتاج فكري وتخيلي راقٍ يعبر به عن مشاعره وأفكاره، يسافر في قطار المعرفة ولا يتوقف في محطة بعينها، ينهل من مقتطفات العبق الملحمي، ويستسقي من غيث النثر المتنوع بماهيته.. ويسافر ويطير فاردًا جناحيه في الآفاق الخيالية العميقة والممتدة بحدود عقله وتفكيره. يعطي لعقله السماح بالولوج في الطبقات الكثيفة من معارف خزّنها عقله يومًا ما، بقراءة صامتة، بمشاهدة عميقة، بإحساس علمي دفين.

قد يواجه- وهذا لا بُد منه- أمواجًا ورياحًا وعواصف وأعاصير من الإحباطات والمثبطات، منها ما يكون مصدره عقول تحارب في الخفاء والعلن، ومنها النفس ذاتها وهي تختنق بشكوكها وهواجسها المزيفة. لكن تبقى هدنة الروح وسكينتها وهدوء العقل وطمأنينته هي المنجى والملجأ، وهي الطوق الذي ينقذ العقل من تلك القوى التي تحاول التدمير. المُبدع هو من يرسم خريطة الذهن بإتقان على جداريات العقول، ومن يدعم بأفكاره كل مسلك مثابر، ومن يجمع الجهود على شكل مجموعات تعمل باجتهاد وعزيمة وإصرار، ومن يتواضع للعلم والمعرفة ويرتدي ثوب الاعتزاز في ذات الوقت. وإن حاولت الكلمات وصف مسالك وصفات المُبدع فلن تفيه حقه، خاصة أولئك الذين يعملون بصمت وخفاء، أولئك الذين لا يألون جهدًا لحماية الإبداع أيًّا كان نوعه، ولا يتقهقرون قيد أنملة عن إبراز الجهود المميزة والابتكارات النادرة، حتى وإن هُمِّشت أسماؤهم وتخفّت أعمالهم.

بالتأكيد هناك من يقف خلف الإنجازات بتواضع جم ليبرز شخصًا ما أو مؤسسة ما أو مكانًا ما، بالتأكيد هناك من يحرق أفكاره في ظلمة الليل لتضيء مكانة أو هوية، لتحافظ الهوية على إشراقتها الأدبية، وتستمر راية التميز خفاقة تحملها طيور الإنجازات، وتطير بها في السماوات الإبداعية العالمية المختلفة. هذا المُبدع الجندي المجهول سيظل الركيزة الأساسية لمعنى التضحية بإخلاص وتفانٍ، هذا المجهول المُبدع سيظل أمان الكلمة ودفء الحرف وطمأنينة المشاعر، ولن تستغني عنه الطموحات أيًّا كان مصدرها وأرضها؛ فما دام الإخلاص ديدنها فلن تتخلى عنها أمانة الكلمة أبدًا.. وستظل العقول المهتمة تستقي من معينها العلمي الذي لا ينضب. فلتبقَ محفوظة في حماية الإخلاص وأمانة العطاء ورسوخ الثقة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z