بعثرة

 

عائض الأحمد

أحدثك عن الإنسان فلا تحدثني عن المكان والزمان.

عندما تجد أن كلّ ما حولك لم يعد يشبهك في شيء، أو هكذا يبدو لك، تدرك أنك لم تعد تملك الكثير من الخيارات التي كنت تنعم بها في أوقاتٍ مضت.

فإمّا أن تغلق بابك وتنزوي منكبًّا على ذاتك، ولعلّ هذا أكثرها ألمًا وحسرة.

وإمّا أن تطلق الوحش الذي بداخلك، فتشارك في صراعٍ لم يخطر ببالك يومًا أن تستحضره فكرة، فكيف بك وأنت أحد أطرافه.

وإمّا أن تقف مكتوف الأيدي، تحدّق في فضاءٍ يكسوه الدخان، وتتبعثر فيه الأشياء، دون أن تمدّ يد عون، أو تحاول لملمتها، كأنك تُغلّ دون حولٍ منك ولا قوة.

أيًّا يكن ما تختاره، فلن يُحسب أحدٌ نتيجته سواك، ولن يصيب أثره أحدًا قبلك.

في عالمٍ يسوده سؤال: من أنت؟ ومن أنا؟ لم يعد الكرسي يسع الجميع، ولم تعد الحدود تُرسَم بما يُفضي إليه العقل والمنطق، بل بما تحمله الأهواء والنفوذ وصراع الأقوياء.

هناك، حيث تضيق المسافات بين الطموح والهيمنة، وتعلو الضوضاء فوق صوت الحكمة، يصبح الإنسان كمن يسير بين أنقاضٍ لم يصنعها وحده، لكنه يُطالَب بتحمّل غبارها.

تتبدّل الوجوه، وتتحوّل المبادئ إلى شعاراتٍ تُرفع حينًا وتُخفَض حينًا آخر، بحسب ما تمليه موازين القوى.

وفي خضمّ هذا كله، لن يكون التحدّي في أن تختار موقعك، بل في أن تحافظ على ما تبقّى منك وأنت تعبره.

فبعض المعارك، وإن انتصر فيها أصحابها، تترك في الداخل خساراتٍ لا يراها أحد.

وحين يهدأ كل شيء، وتنجلي السحابة، يكتشف المرء أن أشدّ ما تبعثر لم يكن العالم من حوله… بل شيءٌ ما في داخله.

حديثي عن الإنسان، وحديثكم عن أحلام يقظته؛ تجاوزنا غفلته، حتى أسقطنا عمارة الأرض فوق رؤوس ساكنيها.

فصرنا نبحث في الركام عن معنى، وفي الصدى عن صوتٍ يشبهنا، وفي الوجوه عن ملامح لم تفسدها المصالح.

غير أن الحقيقة، كلما ابتعدنا عنها عادت إلينا أكثر وضوحًا: أن الإنسان، حين ينسى إنسانيته، لا يهدم الأرض وحدها… بل يهدم نفسه قبلها.

وحينها لن تعود البعثرة في الأشياء، بل في المعنى ذاته؛ في أن نرى الطريق ولا نسلكه، ونعرف الحق ولا نأخذ به، لا تحدثني عن إنجازاتك، بينما أنت أول من وضع معوله في جدار منزلي.

لها: أنتِ وحدك من لها الحق أن تضع يديها حيثما تريد؛ فإن لم يستجب العالم مُرغمًا، أتيناكِ له جماعاتٍ وأفرادًا.

شيء من ذاته: الشمس لم تعد تظهر في النهار فقط؛ ةهناك ما يشبهها حين تسكن الأرض قوى تقول وتفعل ما تشاء.

نقد: سقفي لا يتجاوز ساحة دارنا، وسقفكم لا تراه العين المجرّدة… فمن أنتم حقًا؟ فحين تُقدَّس الأسماء أكثر مما تُصان القيم، لا تمضي الأمم إلا إلى الهاوية.

الأكثر قراءة

z