◄ التحولات الجيوسياسية والاقتصادية تُعيد تعريف عامل "الموقع الجغرافي" في النظرية الاقتصادية
◄ الدول المتحكمة في طرق عبور الطاقة تمتلك وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا مُتزايدًا
◄ صدمة في قطاع الشحن البحري مع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب
◄ "التضخم المستورد" يعكس انتقال أزمة الشحن البحري إلى المستوى الوطني في كل دولة
◄ موانئ عُمان خارج مضيق هرمز تؤدي دور متزايدًا في تعزيز موثوقية سلاسل الطاقة العالمية
◄ الاقتصاد العالمي انتقل من مفهوم الكفاءة القصوى إلى "المرونة الاقتصادية"
◄ ميناء الدقم مثال عملي على التحول في التفكير الاقتصادي بعيدًا عن نقاط "الاختناق البحري"
◄ الاستقرار السياسي ونهج الحياد والانفتاح على الجميع يجعل من عُمان وجهة للمستثمرين
د. يوسف بن حمد البلوشي
تُحدِّد النظريةُ الاقتصاديةُ الكلاسيكيةُ منذ زمن آدم سميث، 4 عوامل رئيسية للإنتاج؛ وهي: الأرض، والعمل، ورأس المال، والتنظيم. وعلى مدى عقود طويلة ركَّزت معظم الاقتصادات على رأس المال والعمالة والتكنولوجيا؛ باعتبارها المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي، لكن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم تُعيد الاعتبار لعنصر آخر، كان يُنظر إليه غالبًا باعتباره عاملًا ثابتًا؛ وهو: الموقع الجغرافي.
الأرض لم تعد تعني فقط الموارد الطبيعية الموجودة تحتها والموارد البشرية والبنية الأساسية الموجودة فوقها؛ بل أصبحت تعني أيضًا الموقع داخل شبكة التجارة العالمية، ومدى قدرة الدولة على الربط بين الأسواق والممرات البحرية والبنية اللوجستية التي تسمح بتدفق السلع والطاقة عبر الحدود.
وفي منطقة الخليج تحديدًا، كان مفهوم "الأرض" يرتبط تقليديًا بما يوجد تحتها من الهيدروكربونات مثل النفط والغاز أما اليوم، فإنَّ ما يوجد فوق الأرض (من موانئ وممرات بحرية وطرق تجارة) أصبح لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية نفسها؛ فالجغرافيا في عالم يعتمد على التجارة البحرية أصبحت أصلًا اقتصاديًا حقيقيًا.
وفي العصر الحديث، بدأ يظهر في الأدبيات الاقتصادية مفهوم يمكن وصفه بـ"اقتصاد ممرات الطاقة"؛ حيث لم تعد الأهمية الاستراتيجية للدول تُقاس فقط بحجم إنتاجها من النفط والغاز؛ بل أيضًا بقدرتها على أداء دور في نقل هذه الموارد عبر ممرات آمنة ومستقرة؛ فالدول التي تتحكم في طرق عبور الطاقة أصبحت تمتلك وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا مُتزايدًا في النظام العالمي.
ويظهر ذلك بوضوح؛ حيث يمر- في الأوقات الطبيعية- عبر مضيق هرمز يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للطاقة، إضافة إلى ما يقارب 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وعلى الرغم من أنَّ عرض المضيق في بعض مناطقه لا يتجاوز 34 كيلومترًا فقط، إلّا أنه يُشكِّل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي؛ لذلك فإنَّ أي اضطراب في هذا الممر البحري لا ينعكس على دول المنطقة وحدها؛ بل يمتد تأثيره مباشرة إلى الأسواق العالمية.
وقد انعكس هذا القلق بالفعل في أسواق الطاقة؛ إذ ارتفع سعر خام برنت إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، مع توقعات بأن يتجاوز 110 دولارات، إذا استمرت التوترات لفترة طويلة، لكنَّ التأثير لا يقتصر على أسعار النفط فقط؛ بل يمتد أيضًا إلى الشحن البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
صدمة الشحن البحري
ومع تصاعد المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، ارتفعت أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب بنسبة تقارب 50% خلال فترة قصيرة، لترتفع من نحو 0.2% إلى أكثر من 0.5% من قيمة السفينة. وهذا يعني أن تكلفة الرحلة الواحدة لناقلة نفط عملاقة قد ترتفع بما يصل إلى 500 ألف دولار، وقد كشفت تقارير أن التكلفة الفعلية بلغت خلال الأيام الماضية 450 ألف دولار. واضطرت بعض شركات الشحن العالمية إلى إعادة توجيه سفنها أو الانتظار خارج المضيق، ما أدى إلى إبطاء حركة التجارة وارتفاع تكاليف النقل. وفي بعض الحالات أدى تغيير المسارات إلى زيادة زمن الرحلة بنحو 10 إلى 14 يومًا، وهذه التكاليف لا تبقى في قطاع النقل فقط؛ بل تنتقل تدريجيًا إلى الاقتصاد الحقيقي؛ فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصةً الغذاء والمواد الأساسية، وهو ما يُعرف اقتصاديًا بـ"التضخم المستورد".
من الكفاءة القصوى إلى المرونة الاقتصادية
قبل جائحة كورونا، كان الاقتصاد العالمي يعمل وفق قاعدة بسيطة: الإنتاج في المكان الأرخص، والشحن عبر الطريق الأسرع، ولهذا السبب اعتمدت سلاسل الإمداد العالمية بشكل كبير على الصين بوصفها مركز الإنتاج الصناعي الأكبر في العالم. لكن جائحة كورونا في عام 2020 كشفت مدى هشاشة هذا النموذج، فقد أدت الإغلاقات وتعطل المصانع وسلاسل النقل إلى نقص واسع في السلع في كثير من الأسواق.
ومن هذا المنظور، يرتبط التحول أيضًا بالاستراتيجية الصناعية المعروفة باسم (China +1)، التي تقوم على تقليل الاعتماد على مركز إنتاج واحد، عبر تنويع مواقع الإنتاج والخدمات اللوجستية. وفي قطاع الطاقة، يتجلى هذا التوجه في البحث عن موانئ ومراكز لوجستية إضافية يمكن أن تعمل كمسارات بديلة أو مكملة للممرات التقليدية.
وهنا تحديدًا تبرُز أهمية سلطنة عُمان، التي تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا خارج مضيق هرمز، ما يمنح موانئها مثل: الدقم وصلالة قدرة على أداء دور مُتزايد في تعزيز موثوقية سلاسل الطاقة العالمية، فهذه الموانئ لا توفر فقط مسارًا بحريًا بديلًا؛ بل تقدم أيضًا بيئة مستقرة سياسيًا ولوجستيًا، ما يجعلها خيارًا استراتيجيًا للشركات والدول التي تسعى إلى تنويع طرق الإمداد وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
التجارة العالمية تبحث عن الأمان
هذا التحول يعكس انتقال الاقتصاد العالمي من مفهوم الكفاءة القصوى إلى مفهوم المرونة الاقتصادية (Economic Resilience)، في الماضي كانت الشركات تسعى إلى تقليل التكاليف إلى الحد الأدنى، أما اليوم فهي مستعدة أحيانًا لدفع تكاليف أعلى مقابل استقرار سلاسل الإمداد وضمان استمرار العمليات؛ ففي عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، يصبح وجود أكثر من مسار للتجارة وأكثر من مركز لوجستي أمرًا ضروريًا لضمان استمرارية الاقتصاد العالمي. وهنا تحديدًا تبرز أهمية بعض الموانئ ذات الموقع الجغرافي البعيد عن الممرات الضيقة؛ بما يسمح لها بالعمل خارج نقاط الاختناق البحرية التقليدية. وفي هذا السياق، يبرز ميناء الدقم في سلطنة عُمان بوصفه مثالًا عمليًا على هذا التحول في التفكير الاقتصادي.
وميناء الدقم يقع مباشرة على المحيط الهندي خارج مضيق هرمز، ما يجعله خيارًا لوجستيًا إضافيًا للشركات العالمية التي تسعى إلى تنويع طرق التجارة وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الضيقة. وبالنسبة للشركات التي تبحث اليوم عن مرونة سلاسل الإمداد وأمنها، يمكن لموانئ مثل الدقم أن تمثل جزءًا من الحل، عبر توفير نقطة عبور بديلة تربط الخليج بالمحيط الهندي والأسواق الآسيوية والأفريقية دون الاعتماد الكامل على المضائق البحرية الحساسة. ومن هذا المنظور، لا يصبح الدقم مجرد ميناء جديد في المنطقة؛ بل جزءًا من الخريطة الجديدة لسلاسل الإمداد العالمية التي تقوم على التنويع والمرونة وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
الاستقرار السياسي: عنصر حاسم للمستثمرين
لكنَّ الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لجذب الاستثمارات؛ فالمستثمرون يبحثون أيضًا عن الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفي هذا الجانب تتمتع سلطنة عُمان بميزة إضافية، فهي تتبع منذ عقود سياسة خارجية تقوم على الحياد والتوازن والانفتاح على الجميع، وقد جعلت هذه السياسة السلطنة تُعرف دوليًا بأنها "صديقة للجميع". وهذه السمعة السياسية تعزز ثقة المستثمرين والشركات العالمية في بيئة الأعمال في السلطنة، خاصة في عالم يتزايد فيه عدم اليقين الجيوسياسي. كما أن رؤية "عُمان 2040" تضع ضمن أولوياتها تطوير القطاعات اللوجستية والصناعية وتحويل السلطنة إلى مركز تجاري يربط الخليج بالمحيط الهندي وآسيا وأفريقيا.
وما يحدث اليوم لا يعني نهاية العولمة؛ بل إعادة تشكيلها؛ فالتجارة العالمية لن تتوقف، لكنها ستصبح أكثر تنوعًا في مساراتها، وأكثر حرصًا على تقليل المخاطر الجيوسياسية، وفي هذا العالم الجديد لن تكون الدول الأكثر نجاحًا هي فقط تلك التي تمتلك الموارد الطبيعية؛ بل أيضًا الدول التي تمتلك موانئ آمنة، وممرات تجارية بديلة، وبنية لوجستية متطورة، واستقرارًا سياسيًا، ورؤية اقتصادية واضحة.
ومن هذه الزاوية، تمتلك سلطنة عُمان فرصة حقيقية لتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية استراتيجية. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر في الممرات البحرية، يكون ميناء الدقم أحد الخيارات اللوجستية المهمة للتجارة والطاقة على المستوى الإقليمي والدولي. ولا تكمن أهمية ميناء الدقم فقط في كونه يقع خارج مضيق هرمز؛ بل أيضًا في قدرته على أن يُشكِّل نقطة استقرار إضافية في شبكة التجارة العالمية التي تبحث اليوم عن الأمان بقدر ما تبحث عن السرعة والتكلفة.
ومن هنا يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل يمكن للدول المتأثرة بالاضطرابات في مضيق هرمز (سواء دول الخليج العربية أو الدول المستوردة للطاقة مثل الصين وكوريا الجنوبية والهند واليابان والاتحاد الأوروبي)، أن تتعاون من أجل تطوير وتمويل مسارات بديلة لنقل النفط والغاز والبضائع عبر موانئ سلطنة عُمان، وعلى رأسها ميناء الدقم؛ لتكون بوابة إضافية للطاقة والتجارة في المنطقة؟!
والأهم من ذلك، هل يمكن لسلطنة عُمان أن تُهيِّئ البيئة المعرفية والمؤسسية واللوجستية اللازمة لتعظيم الاستفادة من هذه الميزة المكانية والدبلوماسية، عبر تطوير البنية الأساسية وربط الموانئ بالمناطق الاقتصادية وشبكات النقل الإقليمية؛ بما يُعزِّز مكانة عُمان كمركزٍ موثوقٍ في منظومة التجارة والطاقة العالمية؟!
