د. أحمد بن سالم باتميرا
كثرت الأقاويل والأكاذيب حول هذه الحرب، وزاد عدد المحللين في القنوات والكتاب، والكل يدلي بدلوه، دون إثبات أو تأكيدات، وصور تنتقل من هنا إلى هناك، والكل يدعي انتصار الدولة الفلانية على الأخرى، مع أن الحرب مدمرة وتحرق الأخضر واليابس، كتبت الحرب على إيران بالقوة، رغم المفاوضات الدبلوماسية التي قادتها سلطنة عمان باقتدار.
وهناك مثل شعبي يقول "كلام الليل يمحوه النهار"، هذا ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فتبدلت رسائل السلام، إلى صواريخ ومسيّرات وقنابل وقتلى ودمار في الجانبين، لأنَّ طبول الحرب أعلنها "النتن- ياهو" من شهور عدة، لتدخل المنطقة لفوهة البركان دون أن تكون حربهم في الأساس، وتستمر الأكاذيب بأن دول الخليج ترغب برؤية إيران مقسّمة وتدعم الحرب عليها.
وشاءت الأقدار، أن قادتنا عرفوا ما يخبأ لهم وعرفوا الحكاية الصهيونية والسيناريو والمخطط الغربي، وأن الشرق الأوسط الجديد ما زال يطبخ ويغلي وأن الجماعة ينتظرون أكل الولائم رويدًا رويدًا حتى القضاء على ما تبقى من قوة عربية وإسلامية مع انكشاف الحقيقة المُرَّة.
إيران تدافع عن نفسها، أمام المعتدي، وأصوات السلام تعلو، ولكن التحرك ما زال ضعيفًا، فسلاحك هو قرار حمايتك من الآخرين، ووحدتك الوطنية هي الضامن للبقاء والاستقرار، ولن تسقط عروش الخليج يا ترامب بكلمة أو خداع، إذا اتفقنا واتحدنا وآمنا بأننا قادرون على الذود عن أوطاننا في حال الحرب والسلم.
ولا مجال للقول إن هناك دولة ما ترغب بالتمدد أو السيطرة على الخليج؛ إذ كلها أكاذيب غربية صهيونية لتوريط دولنا في حرب طاحنة مع الآخرين، فنحن مستهدفون اقتصاديًا لاستغلال ثرواتنا، لذا علينا التركيز على تضامنا وتكاملنا وتطوير صناعتنا وأمننا الغذائي وتشكيل قوة خليجية كبرى، واستثمار المواقع الاستراتيجية الآمنة للتصدير النفطي والاقتصادي والتصنيع في دولنا مثل منطقة الدقم وغيرها.
النزاعات والأزمات تُصنع وتُرسم في الغرف المغلقة، وعشرات المشكلات في السابق معظمها مزيفة، لتجعل من الاستقرار حلمًا بعيد المنال كل هذه السنوات، والكوابيس تقض مضاجعنا في كل قمة ولقاء، والأيادي الخفية مستمرة في هذه الحملات والأكاذيب إعلاميًا وأمنيًا وحتى اقتصاديًا.
إننا نملك من الإمكانات ما يؤهلنا لأن نكون ركائز استقرار وتنمية في المنطقة والعالم، ونصنع سلاحنا بأيدينا ونطوره، ونوفر غذاءنا ولباسنا، ونزرع أراضينا بتضامنا وتكاملنا، ونجعل من عمقنا الاستراتيجي واحة استقرار وتبادل الخبرات والثقافات من منطلق مسؤوليتنا كدول لغتها ودينها وحكمها واحد؛ فالحلول في أيدينا، لكن هذه لن تتأتى إلّا عبر الصدق في الأفعال والأقوال والتوافق والمصداقية بأن خليجنا واحد بعيدا عن التدخلات الخارجية.!
ولا شك أن موقف سلطنة عُمان ينطلق من هذه الحقيقة الراسخة منذ القِدم، وعبر كل العصور والأزمنة، والحروب والنزاعات لا تنتج إلا المخاطر الجسيمة والويلات والدمار وهدم البنية التحتية وكلها تهدد أمن المنطقة ومصالح شعوبها واقتصاداتها.
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية، يبرز الدور العماني في إدارة الأزمات، فالسياسة والدبلوماسية العمانية قامت على الاتزان والواقعية، ولن تنجر عُمان ولا دول مجلس التعاون الخليجي إلى أي حرب ليست لها، مهما تصاعدت الاستفزازات والاختراقات.
حفظ الله الخليج من كل سوء، وأبقى أمنها واستقرارها فوق كل اعتبار، وأفشل كل محاولة لتحويل أرضها إلى ساحة صراع، مع أنَّ الحرب أصبحت واقعًا، وعلى الرغم من الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها دول المنطقة فإن مسار التهدئة والحكمة ضروري؛ فالوضع خطير، وحرب الاستنزاف مكلفة، ولا توجد إرادة سياسية ترغب باستمرار الحرب، والغطرسة الأمريكية والإسرائيلية والتصريحات، وصلت وحلت، وكلنا نتذكر مقولة ترامب "لن أدخل حربًا" في حملته الانتخابية.
وعلى إيران مد يد الصداقة لكل دول المنطقة، ووقف ضرب المنشآت في دول الخليج، منعًا لمزيد من التصعيد ورغبة في عدم الانجرار إلى أتون الحرب الشاملة، وعلى الدول المتحاربة وقف الاعتداءات السافرة والتي تمثل انتهاكا واضحاً للمواثيق الدولية ولسيادة الدول وأمنها وسلامة شعوبها، ولما لها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وستبقى دولنا الخليجية بحكمة قيادتها بعيدا عن هذه الحرب التي نأمل أن تتوقف وتهدأ النفوس ويفتح باب السلام والتفاوض من جديد؛ فالخسائر كثيرة، وعلى الجميع التحرك لوقف هذه الحرب و"المتغطي بأي دولة عريان".. فيا أهل الخليج أعيدوا ترتيب بيتكم من الداخل في كل المجالات بعيدًا عن عيون وآذان الآخرين.. والله من وراء القصد.
** كاتب ومحلل سياسي عُماني
