د. أحمد بن سالم باتميرا **
إن ما قاله معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني في مقاله بصحيفة "ذي إيكونوميست" البريطانية تحت عنوان "على أصدقاء أمريكا مساعدتها للخروج من الحرب"، لم يأتِ من فراغٍ؛ فهذه الحرب أثَّرت -وما زالت تؤثر- ماليًا واقتصاديًا على السوق العالمي، وعلى امتدادات النفط والغاز من الخليج إلى دول العالم.
وإنهاء المخاوف الأمريكية من صناعة سلاح نووي إيراني، كان قريبًا من تحقيقه في عاصمة السلام مسقط، ولكن الأمريكان ومن خلفهم كيانهم المُدلل إسرائيل، شنوا في 28 فبراير حربًا وضربة عسكرية غير قانونية على دولة كانت جادة في السلام والتفاوض وتوقيع اتفاق تاريخي ينهي هذه المخاوف الأمريكية للأبد.
صحيحٌ أن الضربات والأهداف والصواريخ والطلقات وصلت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن، وهي ضربات مؤسفة للغاية وغير مقبولة تمامًا من المُعتدين، لكن ظلَّت أمريكا الحليف الرئيس لهذه الدول تتفرج وتُشعل الحرب بتصريحاتها وإعلامها أحيانًا وبخلق الأكاذيب والتلاعب بأسواق النفط والذهب أحيانًا أخرى، مُتفرجةً للمشهد من بعيد في حرب غير مشروعة تشنها على إيران.
وأظهرت هذه الحرب هشاشة العلاقات الأمريكية العربية، وأن التعاون الأمريكي مبني فقط على المصالح، وليس على المصداقية والتعاون الأمني الحقيقي، ومن هنا على بعض المحللين والكتاب ذكر الوقائع وقول الحقيقة، وعدم رمي الآخرين بالتُهم والتبريرات الساذجة، والتذكير بأن ما ارتكبته الإدارة الأمريكية ودخول هذه الحرب من الأساس صنيعة إسرائيلية بحتة الهدف منها السيطرة على المنطقة بعد إيران.
هذه الحرب ستُعيد رسم الأولويات لدول المنطقة وشعوبها، ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت نوعًا ما مُتضرِّرة، وتنويع العلاقات السياسية والاقتصادية العالمية مع دول أخرى يحقق مكاسب كثيرة، فلا تجعلوا أمانيكم وعلاقاتكم في سلة واحدة.
ومن هنا، فإن على أصدقاء أمريكا في الشرق والغرب التحرك لتحقيق السلام في المنطقة ووقف الحرب على وجه السرعة، مع أنه من الصعب على أمريكا العودة إلى المفاوضات الثنائية التي انحرفت عنها مرتين بسبب اللوبي الصهيوني ووثائق إبستين، ولكن الدول المؤثرة في المشهد يمكنها إعادة ترامب من جديد إلى طاولة المفاوضات حفاظًا على مصالحها.
والبعض ما زال غير مقتنع بالشرق الأوسط الجديد، ومشروع إسرائيل الكبرى ولا يستمع لحُجج ترامب بأن إسرائيل دولة صغيرة وتحتاج لمساحات كبيرة، ولا يستمع لتصريحات اللوبي الصهيوني، ولا يؤمن بنظريات المؤامرة، ومقتنع بآرائه بأن إسرائيل أأمن من إيران!
إيران ليست مستهدفة، بل المستهدف الحقيقي دول المنطقة وثرواتها، والسخرية الكبرى أننا نتجاهل الحقيقة المرة، فنحن لا نستطيع تغيير الجغرافيا، ولكن يمكن معرفة التاريخ وقراءته، فالصراع مالي اقتصادي ديني يخدم الماسونية والصهيونية العالمية.
ومن هنا لا يمكن الجزم بأن أهداف هذه الحرب اقتصادية بحتة، ولكن لا يمكن إنكار أن الاقتصاد الأمريكي ودونالد ترامب هو أحد أكبر المستفيدين منها، ومن هنا تحركت دول خليجية لتفادي هذه الحرب انطلاقًا من رؤية استراتيجية ترى أن استقرار المنطقة هو شرط أساسي، وعدم الانسياق وراء التصعيد أو الاندفاع نحو مواجهة خليجية إيرانية حكمة، مع أن إسرائيل وحلفاءها يرغبون عكس ذلك.
وإذا كانت سيناريوهات الحرب ووقفها واستمرارها ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة، مع تصريحات وتقلبات الرئيس الأمريكي المتكررة، ومع الشروط الإيرانية للتفاوض من جديد، خصوصًا بعد وصول أسعار الطاقة إلى مستويات مُقلقة وارتفاع التضخم، وقرب انتخابات الكونجرس النصفية وغيرها، فإن هذا كله يؤثر على سلاسل التوريد العالمية من الخليج العربي، والحل كما قال معالي السيد وزير الخارجية العُماني، إننا نحتاج إلى بناء الثقة وتوافق في الآراء وإبرام معاهدة إقليمية بعدم الاعتداء، والتوصل إلى اتفاق إقليمي جوهري بشأن الشفافية النووية، دون ضرر أو ضرار لأي دولة أو جار، مع الحذر كل الحذر أن تكون الأيام الخمسة التي طلبها ترامب أكذوبة وخيانة أخرى لاستعادة الأنفاس وإعادة القبة الحديدية لوضعها الطبيعي ونقل المارينز للمنطقة والتجهيز لما هو قادم.. والله من وراء القصد.
** كاتب ومحلل سياسي
