ما يحك ظهرك إلّا ظفرك

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

ليست كل الأمثال الشعبية مجرد حكم عابرة، فبعضها يختصر تجارب طويلة عاشتها الشعوب عبر التاريخ في كلمات قليلة. ومن بين هذه الأمثال يبرز المثل العربي الشهير "ما يحكّ ظهرك إلا ظفرك" الذي يبدو اليوم وكأنه يصف بدقة لحظة تاريخية تمر بها منطقة الخليج، حيث تتقاطع الأزمات الإقليمية مع أسئلة عميقة حول الأمن والاعتماد على الذات.

على مدى عقود طويلة، بنت دول الخليج منظوماتها الأمنية على أساس التحالف مع القوى الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والدول الغربية، عبر اتفاقيات دفاعية وقواعد عسكرية وتعاون استراتيجي واسع. وكان الاعتقاد السائد أن هذه المظلة كفيلة بردع أي تهديد محتمل وضمان استقرار المنطقة الحيوية التي تمثل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.

غير أن الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وخاصة مع تصاعد التوترات والحروب، كشفت واقعًا أكثر تعقيدًا. والدول الكبرى- مهما بلغت قوة تحالفاتها- تتحرك في النهاية وفق مصالحها الاستراتيجية العالمية، لا وفق أولويات الدول الصغيرة أو المتوسطة التي تعتمد عليها. وعندما تتصاعد الأزمات، تتبدل الحسابات بسرعة، وقد تتغير مواقف الحلفاء أو تتراجع التزاماتهم بما يتوافق مع مصالحهم الأوسع.

وبرزت خلال هذه الأجواء مشاهد لافتة في بعض دول الخليج؛ حيث تدافع آلاف الوافدين والمقيمين الأجانب نحو المطارات والمعابر الحدودية في محاولة لمغادرة الإمارات وقطر مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب. كانت الطوابير الطويلة والحقائب المتعجلة وصور الازدحام في صالات السفر تعكس حقيقة اجتماعية واقتصادية معروفة: فالهجرة الاقتصادية بطبيعتها مؤقتة، والوافد مهما طالت إقامته يبقى ارتباطه بالبلد الذي يعمل فيه مختلفًا عن ارتباط المواطن بوطنه.

ففي لحظات القلق وعدم اليقين، يبحث الكثير من الوافدين عن طريق العودة إلى بلدانهم الأصلية؛ حيث العائلة والجذور، بينما يبقى المواطن في وطنه لأن الأرض أرضه والمصير مصيره. وهذه الحقيقة لا تنتقص من الدور الكبير الذي لعبه الملايين من الوافدين في بناء اقتصادات الخليج الحديثة، لكنها تذكّر في الوقت نفسه بأن الاستثمار الاستراتيجي الحقيقي يبقى في الإنسان المواطن المرتبط بأرضه ومستقبل بلده.

وما زاد من حِدة الجدل في الرأي العام الخليجي أن القوات الأجنبية التي كان يُفترض أن تكون جزءًا من منظومة الحماية، بدأت بدورها في إعادة انتشار أو تقليص وجودها وفق حسابات عسكرية خاصة بها. وقد بدا هذا المشهد بالنسبة لكثيرين وكأنه تذكير قاسٍ بأن التحالفات الدولية ليست ضمانة مطلقة، وأنها قد تتغير أو تتراجع عندما تتعارض مع المصالح الكبرى أو تتبدل الظروف السياسية والعسكرية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وانتقادات رجل الأعمال الإماراتي المعروف خلف أحمد الحبتور للسياسات الأمريكية لتعكس حالة من الاستياء والمرارة لدى قطاعات من الرأي العام في الخليج. فقد رأى كثيرون في كلماته تعبيرًا عن شعور متزايد بأن الحلفاء الذين اعتمدت عليهم المنطقة طويلًا قدّموا حساباتهم الاستراتيجية على حساب التزاماتهم تجاه أمن شركائهم. ولذلك لم تُقرأ تلك الانتقادات باعتبارها رأيًا فرديًا فحسب؛ بل باعتبارها صدى لمشاعر أوسع تتردد في الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء.

إلى جانب ذلك، كشفت طبيعة الحروب الحديثة حقيقة أخرى مهمة، وهي أن الدفاع في عصر الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة أصبح حرب استنزاف مكلفة للغاية؛ فصاروخ الاعتراض الواحد قد يكلّف ملايين الدولارات، بينما قد لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيّرة أو الصاروخ المهاجم جزءًا بسيطًا من هذا المبلغ. ومع استمرار مثل هذه المواجهات، يصبح الاعتماد على شراء الأنظمة الدفاعية من الخارج وحده خيارًا غير كافٍ على المدى الطويل.

ولهذا بدأ الحديث يتجدد عن ضرورة بناء منظومة أمن خليجية أكثر تكاملًا، تقوم على التعاون العسكري الحقيقي بين دول المنطقة، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي المشترك، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، إضافة إلى الاستثمار في العنصر البشري والتدريب والبحث العلمي؛ فالأمن في عالم اليوم لا يتحقق بالتحالفات فقط، بل بالقدرة الذاتية على حماية المصالح الحيوية.

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن الدول التي تعتمد كليًا على حماية الآخرين تظل عرضة لتقلبات السياسة الدولية، بينما الدول التي تبني قوتها الذاتية تمتلك هامشًا أكبر من الاستقلال في القرار والسيادة.

وفي نهاية المطاف، قد تعود المنطقة إلى الحكمة القديمة التي صاغتها التجربة الإنسانية قبل قرون طويلة، لتكتشف أن كلماتها القليلة تختصر درسًا سياسيًا عميقًا: ما يحكّ ظهرك إلا ظفرك!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z