الحياد العُماني.. موقف أخلاقي ثابت

 

 

 

حمد الناصري

 

 

لا يخفى على أحد أنّ سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية تربطهما علاقات تاريخية، تعززت بالقواسم المشتركة والمصالح المتبادلة ومنافع حُسن الجوار وتعززت علاقاتهما بالجوار الجُغرافي أبرزها تأمين مُضيق هرمز أو ما يُعرف في عُمان برأس المضيق أو رؤوس الجبال، ورأس المضيق من أهم الممرات المائية في العالم.

كذلك فالمنافع الجيوسياسية دفعت بالسلطنة لأن تكون وسيطًا بحيادٍ براجماتي، لا انحياز فيه، وعملت السلطنة على تهدئة التوترات القائمة بين واشنطن وطهران تعزيزًا لدورها الوثيق في علاقاتها مع الآخر، وقد أتاحت منافع الحياد البراجماتي مُتنفسًا للاقتصاد الوطني ومن ناحية أخرى أصبحت عُمان واجهة موثوقة عالميًا وإقليميًا ووسيطًا رئيسيًا وموثوقًا في نزاعات الشرق الأوسط وبيئتها المكانية مستقرّة وبُنيتها الاستثمارية آمنة بفضل موقعها الاستراتيجي وثوابت تاريخها العريق وحيادها الموثوق به عالميًا.

وفي عهد النهضة الحديثة التي قادها المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- تحسّنت العلاقات بمصالح مُتبادلة وترسّخت بمنافع حُسن الجوار.. والتزمت الدولتان بعدم التدخل في الشأن الجوهري لعلاقات حسن الجوار وفق قواسم مُشتركة تحققت بضمان الاستقرار في الإقليم، ناهيك عمّا شهده العالم أجمع من قضايا سياسية دولية وإقليمية، وفي خضم ما يخص المنطقة والإقليم استطاعت السلطنة بقيادتها على مدى الـ 55 عامًا الماضية الاستفادة بما يهم المنطقة، كالاستقرار السياسي والتبادل الاقتصادي وتنويع فرص الاستثمار والخدمات الأخرى التي تهم كل منهما.

وفي عهد النهضة المتجددة للسلطان الأريب هيثم بن طارق المُعظم- أعزه الله- تسامت تلك العلاقة والمنافع إلى مستوى شراكة عُمانية إيرانية قوية وخلق استثمار اقتصادي إيراني في سلطنة عُمان. وشهدت قطاعات الصناعات بحركة لوجستية بين مواني السلطنة، كميناء السويق وشناص وخصب وحتى ميناء السلطان قابوس شهد نشاطًا اقتصاديًا لمختلف البضائع مع الموانئ الإقليمية الإيرانية. ناهيك عن منطقة بحر المضيق أو رؤوس الجبال" مضيق هرمز" فهو يُعد ممرًا ذا ثقل جيوسياسي ليس على المستوى الإقليمي أو الشرق الأوسط الجديد فحسب؛ بل على المستوى العالمي شرقًا وغربًا؛ فالممر البحري العميق تتداخل فيه مصالح الدول الكبرى، فهو يتحكّم في طرق التجارة البحرية وفي الطاقة العالمية، وفي تجارة النفط، أي نحو 20 مليون برميل يوميًا يمر من خلاله.

ولذلك فإنَّ التوترات الدولية وتنافس النفوذ لا تهدأ، فهو من أهم الممرات المائية الحيوية، يربط الشرق والغرب. ويربط بحر عُمان الشمالي بمحيطها المائي الشرقي ويربطها بالبحر المفتوح وبحر العرب.. ويُشكّل نقطة حيوية ومُهمة للاقتصاد العالمي وصادرات دول الجزيرة العربية المُتشاطئة لبحر الخليج العربي.

لذا.. فإنّ عُمان تكثّف تفاهماتها مع إيران وتتبادل معها الزيارات على مستوى القيادات بين البلدين ذلك  للحد من التوترات في المنطقة، فالدولتان مُتشاطئتان للممرّ العميق" مضيق هرمز" والذي تجري فيه الآن الأحداث المرتبطة بالتوترات الملاحية البحرية، ورغم ذلك فعُمان لها نفس طويل في مثل هذه التوترات الإقليمية وتتبنّى سياسة الحياد النشط والإيجابي في منطقة الجزيرة العربية وفي الخليج العربي التي تشهد تصعيدًا سياسيًا غير مُستقر بسبب الحرب بين إسرائيل وإيران. ورغم أنّ ذلك الاستهداف شمل مرافق عُمانية في أهم منطقة حيوية، كمنطقة الدقم التي تُعتبر مركزًا جيوسياسيا واقتصاديا حيويا للسلطنة؛ بل هي من كبريات المناطق الاقتصادية في الشرق الأوسط، نظرًا لوقوعها على أهم واجهة شرقية عُمانية قُبالة البحر العميق وتلتقي واجهتها البحرية الجنوبية ببحر العرب وتزداد أهميتها الاستراتيجية لكونها مُلتقى أو مصبّ البحار العميقة. والدّقم بوابة لوجستية تربط بين الشرق والغرب وتضمّ مشاريع صناعية ضخمة واستراتيجية كميناء الدقم، الحوض الجاف ومصفاة الدقم، ممّا يُعزز تنويع الاقتصاد الوطني العُماني.

ولا ريب أن سَلطنة عُمان تهدف بحيادها الثابت، تجنيب منطقتنا العربية والخليج العربي أي نزاعات عسكرية وتحييد نشوب توترات وتقف بعدالة مُستميتة لتعزيز العلاقات بين دُولنا الخليجية ودول الجوار، لما يعود بالاستقرار الإقليمي والدولي؛ فالسلطنة تسعى إلى استقلالية قرارها الحيادي، انطلاقًا من موقفها الثابت، العدالة والسّلم، ومن مقتضيات دورها التاريخي الذي يُحتّم عليها أن تكون وسيطًا موثوقًا في حلحلة النزاعات والتوترات الإقليمية، بدبلوماسية لا يُجيدها إلا من كان له قلب سليم وعدالة لا يحيد عنها، وإيمان صادق لا انحياز فيه وحيادٌ مُستقل.

ومن هذا المنطلق فانّ إيران تُدرك تاريخيًا مبدأ عُمان الثابت وتدرك أهمية موقع السلطنة الجغرافي وتتقاسم معها السيطرة على الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره النفط العالمي. ولكونهما شريكين في أمن المنطقة، فهما يتبادلان علاقاتهما ضمانًا للملاحة البحرية واستقرارها.

خلاصة القول.. من خلال قراءة الواقع السياسي الجديد وما تشهده المنطقة من حاجة إلى استقرار وأمن بحري، نقترح على الدولتين في ظل التغيير الدبلوماسية خلق منافع اقتصادية لهما وتأسيس ملاحة بحرية مُشتركة لكون البلدان واقعين على خط تماس بحري، كبير الخصوصية العالمية.

كما نقترح رفع المستوى الإداري لولاية الدقم لتكون في مستوى محافظة، وذلك نظرًا لما تشهده منطقة الدقم، من تطور مُتسارع وخدمات لوجستية واستثمارية اقتصادية عالية، ننظُر إليها، لكونها طموحًا استراتيجيًا قد يُسهم في خلق بيئات عمل مُحفّزة، ومحرّكًا للطاقة المتجددة والابتكار، ويُحقق لنا تفاعلا تشغيليا وأثرا مُستداما. وتتحوّل محافظة الدّقم إلى مركز اقتصادي عالمي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z