د. مريم بنت حميد الغافري **
في شهر رمضان المبارك تتبدل إيقاعات الحياة؛ فالمدن تهدأ نهارًا وتنبض ليلًا، وتتعانق الروح مع معاني العبادة والتأمل. غير أن مشهدًا تربويًا يتكرر في كل عام يلفت النظر ويستدعي التأمل: حقائب دراسية كأنها صائمة، موضوعة في زوايا الغرف أو على رفوف المنازل، كأن بينها وبين الكتب والدفاتر قطيعة مُؤقتة حتى انقضاء الشهر الفضيل.
ليس المقصود بالصيام هنا الامتناع عن الطعام والشراب، بل صيام من نوع آخر؛ صيام عن القراءة، وعن مراجعة الدروس، وعن مصاحبة المعرفة. وكأن بعض الطلبة يظنون أن شهر رمضان إجازة فكرية، بينما هو في الحقيقة شهر يقظة الروح والعقل معًا.
إن هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك عابر، بل هي مؤشر تربوي يحتاج إلى قراءة أعمق. فما الذي يجعل بعض الطلبة يبتعدون عن حقائبهم في هذا الشهر؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الطالب وكتابه؟
من أهم الأسباب أن بعض الطلبة يربطون رمضان بالكسل الذهني والخمول الدراسي، فينشغلون بسهرات طويلة أمام الشاشات والأجهزة الذكية، حتى يصبح الليل مجالًا للتسلية أكثر منه للتأمل أو التعلم. ويأتي الصباح مثقلًا بالإرهاق وقلة النوم، فيتراجع الحافز للقراءة والمذاكرة.
كما أن غياب التخطيط الشخصي لدى بعض الطلبة يجعلهم أسرى المزاج الآني، فيتعاملون مع الدراسة بوصفها واجبًا موسميًا، لا مشروعًا مستمرًا لبناء الذات. ويضاف إلى ذلك أحيانًا ضعف المتابعة الأسرية أو غياب البرامج المدرسية التي تحفز الطلبة على استثمار هذا الشهر في تنمية عقولهم.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود الإهمال المؤقت، فنتائجها قد تمتد إلى ما هو أبعد. فالطالب الذي يعتاد الانقطاع عن التعلم يفقد تدريجيًا علاقة الألفة مع الكتاب، ويصبح عقله أقل نشاطًا في التحليل والتفكير. والعقل – كما يقول الحكماء – إذا لم يُستعمل خمد، وإذا لم يُغذَّ بالمعرفة ضمر.
إن الأمة التي تمتلك ثروة شبابية واعية تمتلك في الحقيقة كنزها الأكبر. فالشباب هم طاقة التفكير، ومحرك الابتكار، وبناة المستقبل. والطالب الذي يحمل حقيبته بوعي لا يحمل كتبًا فحسب، بل يحمل بذور نهضة يمكن أن تنمو لتصبح أفكارًا ومشروعات وإبداعات تخدم المجتمع والوطن.
ومن المؤسف أن تتحول الحقيبة – التي يفترض أن تكون رفيقة المعرفة – إلى شاهد صامت على الغياب الذهني. فهي أشبه بسفينة راسية في الميناء، مع أنها خُلقت لتبحر في بحار العلم والمعرفة.
إن رمضان في جوهره مدرسة كبرى لتربية الإرادة والانضباط؛ فهو يعلم الإنسان كيف يضبط شهواته ويهذب وقته. ومن هنا يمكن أن يكون هذا الشهر فرصة ذهبية لتعزيز العادات الدراسية، لا لتعطيلها. فالعقل الذي يتدبر القرآن قادر أيضًا على أن يتأمل العلوم، ويبحث، ويبتكر.
وهنا يبرز دور الأسرة أولًا؛ فحين يرى الطالب في بيته نموذجًا يقدّر المعرفة، ويخصص وقتًا للقراءة، ويشجعه بالكلمة الطيبة والمتابعة الحكيمة، تنمو لديه الدافعية الداخلية للتعلم. كما أن المدرسة تستطيع أن تجعل من رمضان مساحة تربوية مميزة عبر أنشطة معرفية ومسابقات فكرية ومشروعات بحثية خفيفة تحفز العقل دون أن ترهقه.
أما المؤسسات الثقافية والإعلامية، فيمكنها أن تسهم في نشر ثقافة التعلم الرمضاني، من خلال برامج تحفز القراءة والبحث والابتكار، وتبرز نماذج شبابية ناجحة استطاعت أن توفق بين العبادة والعمل الفكري.
إن الحقيبة المدرسية ليست مجرد قطعة قماش تُحمل على الظهر، بل هي رمز لرحلة العقل نحو النور. وكل كتاب فيها نافذة تطل على عالم أوسع من المعرفة والفهم.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى أبنائنا هي أن رمضان ليس شهر تعطيل للعقول، بل شهر تصفية لها، وأن الصيام الحقيقي لا يكون عن العلم، بل عن الكسل والجمود والتفكير السطحي.
وحين يدرك الطالب هذه الحقيقة، ستعود الحقيبة إلى دورها الطبيعي؛ ممتلئة بالكتب، ومضيئة بالأفكار، ومفتوحة على مستقبل يصنعه عقل يقظ وإرادة واعية. فبالعقول المستنيرة تبنى الأوطان، وبالشباب المتعلمين تزدهر الحضارات، وبالحقيبة التي لا تصوم عن المعرفة يبدأ الطريق.
** باحثة وكاتبة في الدراسات الأدبية والنقدية
