علي بن مسعود المعشني
كانت الضربة الأولى للعدوان على إيران والتي حملت عنوان حرب الـ12 يومًا، الوقت المثالي لإسقاط النظام في إيران أو إضعافه بشكل كبير؛ حيث تحققت عناصر المفاجأة والمباغتة مع التشويش الإلكتروني الكبير، والتنسيق مع عملاء الداخل للقيام بعمليات شغب واغتيال وتخريب على أوسع نطاق، بالتزامن مع تصفية أغلب قيادات الصف الأول من القيادات العسكرية والأمنية في إيران.
لكن فوق كل هذا تماسك النظام الإيراني سريعًا واستوعب الضربة وقام بالرد الموجع للكيان الصهيوني؛ الأمر الذي دفع واشنطن إلى طلب وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات مجددًا عبر بوابة مسقط كالعادة.
ادعى الأمريكي أن العدوان المذكور نتج عنه القضاء على برنامج إيران النووي، وبقي السؤال: على ماذا يفاوض الأمريكي في الجولة الثانية، طالما قضى على البرنامج النووي بحسب زعمه!؟
في الجولة الثانية من المفاوضات، حضر الجانب الإيراني بفريقين، فريق سياسي/فني، وفريق اقتصادي؛ حيث قدم الجانب الإيراني مرونة عالية في التفاوض وقدم تنازلات كبيرة بشأن برنامجه النووي تُسقط ذريعة الأمريكي في العدوان على إيران والعداء لها، وتُبدِّد المخاوف بدلًا من إدارتها تجاه البرنامج النووي الإيراني رغم تأكيد إيران على سلميته وعِلم أمريكا والغرب ويقينهم بذلك.
وتمثَّل هذا التنازل الإيراني في قبولها بالتخلي عن كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى درجة تصفيره، والإبقاء على كميات قليلة للأبحاث العلمية والعلاجات تحت الإشراف المباشر للوكالة الدولية للطاقة النووية.
كما قدمت إيران عبر فريقها الاقتصادي المفاوض حزمة مغريات استثمارية لأمريكا تمثلت في جملتها بمبلغ تريليوني دولار، و100 مليار دولار، المبلغ الأول كاستثمارات أمريكية في إيران، والمبلغ الثاني عبارة عن صفقة تجديد الناقل الجوي الوطني الإيراني عبر شراء أسطول طائرات من شركة بوينج الأمريكية.
تظاهر الجانب الأمريكي بالارتياح لما أنجزته تلك المفاوضات وما تخللها من عناصر إيجابية، وعلى بُعد أيام من عقد الجولة الأخيرة، شن العدوان الحالي على إيران مجددًا، وأقدم خلاله على حماقة كبرى باغتيال المرشد الأعلى للثورة سماحة السيد علي خامنئي، وبهذا يمكن الجزم بأنَّ الأمريكي أدخل نفسه وحلفاءه في دوامة صراع مفتوحة وخاسرة؛ بل وأدخل الإقليم والاقتصاد العالمي في أزمة غير مسبوقة منذ عقود خلت.
فقد برهن الأمريكي للعالم في عدوانه الأخير على إيران بأنه كيان مارق ودموي وبلطجي، ولا يأبه بقانون ولا عُرف ولا قيم، وأنه باحث عن حروب ودمار لا عن سلام ومصالح. فقد رفعت إيران في جولة المفاوضات الثانية من قيمة الاتفاق إلى السقف الأعلى، وجعلت في المقابل كُلفة الحرب عالية جدًا، وهو ما لمسه وعايشه الأمريكي والعالم معه، وهذا ما جعل العالم يتساءل عن حقيقة ما يريده الأمريكي لإيران ومن إيران؟!
العدوان الأمريكي اليوم على إيران أكسب إيران المزيد من القوة السياسية والعسكرية والتعاطف الإقليمي والدولي الكبيرين، كما برهن للعالم بأنَّ هذا العدوان وتداعياته هو بمثابة حرب أمريكية على الاقتصاد العالمي عبر العدوان على إيران وموقعها الاستراتيجي المُهم.
قبل اللقاء.. العدوان على إيران في حقيقته هو العدوان على العِلم والتقدم والتنمية والسيادة وهو ما تمثله إيران اليوم، ولكن بعناوين باهتة ومختلفة يُدركها أولو الألباب.
