سارة البريكي
الإفطار الذي سعيت كثيرًا لأجله ترتب واجتمعنا على المائدة الرمضانية، كان ذلك يوم الجمعة الماضي، وكانت آخر الساعات واللحظات التي نقضيها معها، كانت بشوشة كعادتها مبتسمة قنوعة راضية ومحبة وتملك حس الدعابة، وكانت كوجه القمر.. بعد الإفطار أحسست بتوعك وقررت أن أستلقي في غرفة أمي لأشعر ببعض الدفء؛ فالأمهات جنة وبمجرد أن ترى وجه أمك فبعض همومك وآلامك تنزاح سريعًا.
كنت قد أخبرت أمي مسبقًا برغبتي في الخروج إلى السوق فذهبت معها واشتريت ملابس جديدة ولم أنسَ مُنى أختي الحبيبة التي لا يمكنني أن أنسى أنها تسعد وتفرح كلما اقتنيت لها شيئًا جديدًا.. كانت بيجامة بيضاء كلون الثلج عدت إلى المنزل وأعطيتها فلبستها مباشرة وبعدها تعشينا وكنت أشعر بدفء العائلة وبعض الآلام تتبدد وتختفي عندما ترى والديك وأخوتك بقربك.
ما حدث بعد الإفطار الأخير، أن منى الحبيبة دخلت لتنام وبعدها لم تستيقظ أبدًا، هذا الأمر الذي كسرنا وأتعبنا جميعًا وشكل تلك الصدمة التي لم نستطع تخطيها للآن.
أختي الحبيبة الصابرة المحتسبة التي كانت نسمة جميلة نقية لم تكن كفتيات هذا الجيل ولم تكن تحب سوى الهدوء والبقاء بين أهلها وذويها؛ هي كالوردة البيضاء ورحلت بهدوء وهي ترتدي البياض تمامًا كما كان آخر ما ارتدته عروس الجنة.
يلملم الحزن شتات المكان بعد الرحيل وتشعر بالعتمة والفقد ومشاعر مختلطة بين الفرح بلقاء الله بأحسن حال وبين مرارة الفقد وبين المفاجأة التي أعدتها لنا منى ورحلت.
اكتظ المنزل بالمُعزّين أشخاص من العائلة لم نرهم منذ سنوات طويلة أخذتهم الحياة مثلما أخذتنا عنهم وكأن منى كانت تريد أن يجتمع الجميع لكن دونها لا مغزى من تجمع الجميع بعد الآن لا مغزى من الإفطارات الجماعية ولا من اللقاءات الكاذبة ولا من العبارات الأخرى ولا من الاعتذارات… الحياة غريبة جدًا والوداع الأخير كان مختلفًا يعمه الهدوء والصمت والبرود ووتيرة الأحداث التي مرت بنا كانت عاصفة لدرجة التساؤل ماذا حدث!؟
ماذا حدث؟!
يعبر صوت منى بيننا ويرن في أذني.. وأسأل نفسي لماذا نحن لا نشعر إلا عندما يرحلون ولا نتحدث بمشاكلهم وأمانيهم ولماذا لا نهتم إلا بأنفسنا فقط وننسى أو نتناسى بعض الدرر الثمينة التي لا تقدر بثمن والتي إن رحلت لن تعود وستذهب للأبد (أنا سايره) تلك الكلمة التي لطالما رددتها منى (أنا يايه) (أنا قايمه من النوم) (أنا كليت) كلها ستبقى عالقة هنا في زوايا عقولنا ما حيينا ولن نكتفي بحفظها وترديدها فقط إنما بالدعاء الذي لن يقف وهو السبيل والوصال الوحيد الباقي بيننا وذلك هو الوعد الوحيد بيننا.
في الحقيقة إنني نسيت لوهلة أنني في شهر رمضان المبارك وأحسست بأن الحياة رحلة قصيرة وأن الموت قريب يطوف بيننا ويختار الطيبون فنقف جميعًا في حالة صمت وحزن وذهول وصدمة.
ولا نقول إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى لله الأمر من قبل ومن بعد ووعدنا بك في الجنة وذلك حسن الظن في الله الواحد القهار حتى وإن استعجلت الرحيل منى سوف نلقاها في وقت أو مكان آخر لا نعلمه الله يعلمه ويبقى وجه الله ذو الجلال والإكرام. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
