مُزنة المسافر
شخير قد طال كل العمارة، عمي رجب مسترخي، ينام على الأريكة الموضوعة قرب النافذة، عقله يفرمل التعب الذي شعر به بعد يوم طويل، وهنا قرر شكشك أن يخرج من الكنبة من جديد وأن يتحاور مع الأراجوز حول أمر ما.
شكشك: بقولك إيه يا أراجوز، ما تجيب مفتاح الشقة من جيب عمي رجب.
الأراجوز: أنا؟ أجيبه أنا إزاي؟
شكشك: إزاي! كله كده يا مفعوص! لازم تبقى راجل وتجيب المفتاح.
لم يكن عمي رجب أبداً لئيماً للأراجوز حتى يمارس هو المكر أو القهر، دائماً عمي رجب طيب القلب، يقدم للأراجوز الفول والقصب المعصور، والدنيا تعرف كلها أنه يهتم به كثيراً، كيف يعصيه؟، وأين هو المفتاح؟
شكشك: بص، المفتاح هناك أهوه!
الأراجوز: حنعمل إيه في المفتاح يا شكشك؟
سنفعل الكثير يا أراجوز، الكثير الذي لا يُعد ولا يحصى، سنهرب لنحصل على الحلويات المجانية من الصغار والكبار، وقد نحصل على عمل ليس فيه شقاء وعناء مثل عمل مسارح الدمى، من يعرف أننا عرائس ودمى، شكلنا مثل الآدميين، مثل الناس تماماً، لنا أنف وعينين، وطرطور فوق الرأس، ونقدر أن نتحدث ونتكلم ونحكي ونبكي.
ترك شكشك الكنبة، وألقى بنفسه فوق الأرضية، لا يتذكر كم من الأيام غاب فيها عن الأرض ولم يرَ فيها نور السماء، حيث خبأته الحياة بعيداً عن الواقع، وفي التو قرر أن يمضي برجله اليمنى التي تعرج وشعره الكث نحو الحرية، ويروح نحو جسدٍ ضخم نائم على أريكة صغيرة قرب النافذة هو جسد عمي رجب.
وصعد شكشك بشجاعة الدمى وتسلق الأريكة، ووصل لجيب عمي رجب، وقام بأخذ المفتاح، بعد أن نطق: يا فتاح، كانت لحظة تاريخية في حياة الشاهدين والمشاهدين لهذه اللحظة، ولم يكن الشاهد الوحيد هو الأراجوز فقط، فقد اعترضت شكشك قطة عمي رجب التي شعرت بخطر يحدق بالمسكين.
تمرد وعصيان من الدمى، هكذا فسرته القطة، لابد من إرجاع المفتاح إلى صاحبه.
شكشك: ألحقني يا أراجوز!
مياو تلته مياو أخرى، مواءٌ مستمرٌ حتى سقط المفتاح على الأرض، وسقط قناع شكشك أمام القطة التي قالت بالفتنة، وعاد شكشك إلى موقعه في الكنبة بسرعة كبيرة، قبل أن يستفيق عمي رجب من قيلولة النهار.
عمي رجب: مالك يا قُطة؟ في إيه؟
وهنا ألقت القطة المفتاح أمام عمي رجب، لكنه لم يفهم شيئاً، شعر أن المفتاح سقط فقط من جيبه، وراح نحو الأرض، ولم يفهم طموح الدمى في الخروج للدنيا، ولم يعلم كلام الدمى وقت نومه العميق، لأنه بني آدم يؤمن بأن الحياة تمشي، والمهم هو أكل العيش ورزقة ربنا.
وأن المفتاح موجود وأن العمل هو الأمان، وسط هذا الزمن الذي يتحرك فيه كل شيء ضدك، إلا الإخلاص، الذي يُبقي على المرء استمراريته، عمي رجب لم يعد مطلوباً مثل السابق، كان اسمه في الجورنال والجرائد في الماضي، كان مشهوراً ومعروفاً، له جمهوره الخاص، وكلامه حلو ومعسول، وقلبه بالدمى مشغول.
يخلق عوالمهم، ويبني عواصمهم، ويُكون مرادهم الكبير، ويجدد فؤادهم الصغير ببضع أمور تشجيعية، بطبق فول أو بقصب معصور، أو بحلويات وربما مكسرات، وأشياء صغيرة تشبه معدتهم التي خاطها بنفسه لهم، ولكنه لا يدرك الآن أن الدمى قد صارت تفكر، وأن لها أحلام وآمال في الخروج أو الهروب، من يدري؟
